للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقاومني خاطري، وقال: بلى! إنك بخيل!. فقلت: " مهما فتح علي اليوم، لأدفعنه إلى أول فقير يلقاني! ".

قال: فبينا أنا أتفكر إذ دخل عليّ صاحب لمؤنس الخادم (١)، ومعه خمسون دينارا، فقال: اجعل هذه في مصالحك. فأخذتها وخرجت. وإذا بفقير مكفوف بين يدي مزين، يحلق رأسه، فتقدّمت إليه، وناولته الصرة، فقال لي: أعطها للمزين. فقلت: " إنها دنانير! "فقال: " أو ليس قد قلنا إنك بخيل؟! ". فناولتها للمزيّن، فقال: " من عادتنا أن الفقير إذا جلس بين أيدينا لا نأخذ منه أجرا! ". قال: فرميتها في دجلة، وقلت: " ما أعزّك أحد إلا أذلّه الله".

وقال أبو محمد الحريري: مكثت عند الشبلي الليلة التي مات فيها، فكان ينشد طول ليلته هذه الأبيات (٢):

كل بيت أنت ساكنه … غير محتاج إلى السرج

وجهك المأمول حجتنا … يوم يأتي الناس بالحجج

لا أتاح الله لي فرجا … يوم أدعو منك بالفرج (٣)

ورآه بعض الصالحين بعد موته، فقال: " ما فعل الله بك؟ ".

فقال: " لم يطالبني بالبراهين على الدعاوي إلا على شيء واحد، وذاك أني قلت يوما: لا خسارة أعظم من خسارة الجنة ودخول النار. فقال لي: "وأي خسارة أعظم من خسران لقائي؟ ".

ورآه آخر في النوم فقال: "ما فعل الله بك؟ ".

فقال: "ناقشني حتى أيست، فلما رأى إياسي تغمّدني برحمته".


(١) مؤنس الخادم الملقب بالمظفر، ولي مصر مدة خمسة أعوام، وعزل عنها سنة ثمان وتسعين ومائتين.
انظر: النجوم الزاهرة ٣/ ١٧٤.
(٢) في الأصل المخطوط قوله "هذين البيتين".
(٣) الكواكب الدرية ١/ ٥٦٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>