للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يستغفرون، طلع من هاشم بن عبد مناف في الذوائب، وكرع منه في غدير لم يرفق بالشوائب، وكان من الشرف في شامخ قلاله، وراسخ النسب العلوي في كرم خلاله، وكان له مجلس يوالي فيه الانتحاب، ويحرك فيه الأصحاب، ﴿وَتَرَى اَلْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحابِ﴾ (١) فما برح اجتهاده محدودا، وجهاده يقول: ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾. (٢)

وكان مخلصا دون أشكاله، ومخلصا توكل على الله حق اتكاله، على أنه من بقية قوم يرجعون كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وصلوا الليالي بالأسحار، وركبوا ثبج الفيافي وقفار البحار، فحمدوا ما كانوا يعملون، وعلى ربهم كانوا يتوكلون.

مولده بجيلان (٣)، سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. وقدم بغداد شابا، فتفقه على أبي سعيد المخرّمي (٤). وسمع الحديث من جماعة، وحدّث عن طائفة من الكبار.

قال السمعاني: "كان عبد القادر من أهل جيلان إمام الحنابلة، وشيخهم في عصره.

فقيه صالح، ديّن خيّر، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة. تفقّه على المخرّمي، وصحب الشيخ حمّادا الدباس.

قال: وكان يسكن بباب الأزج في مدرسة بنيت له، مضينا لزيارته، فخرج وقعد بين أصحابه، وختموا القرآن، فألقى درسا ما فهمت منه شيئا، وأعجب من ذا أن أصحابه قاموا وأعادوا الدرس، فلعلّهم فهموا، لإلفهم بكلامه وعبارته. (٥)

وقال ابن الجوزي: " كان أبو سعد المخرّمي قد بنى مدرسة لطيفة بباب الأزج، ففوّضت إلى عبد القادر، فتكلم على الناس بلسان الوعظ، وظهر له صيت بالزهد، وكان له سمت


(١) سورة النمل - الآية ٨٨.
(٢) سورة الإسراء - الآية ٧٩.
(٣) وهي بلاد متفرقة وراء طبرستان، ويقال لها: "كيل، وكيلان" والنسبة إليها جيلي، وجيلاني، وكيلاني.
انظر: الأنساب ٣/ ٤١٤.
(٤) تحرفت النسبة في (الذيل على طبقات الحنابلة ١/ ٢٩٠) إلى "المخرامي"، وفي مرآة الجنان ٣/ ٣٥١ إلى "المخزومي".
(٥) انظر: طبقات ابن رجب ١/ ٢٩١، وسير أعلام النبلاء ٢٠/ ٤٤١، وتاريخ الإسلام ٣٩/ ٨٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>