للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال الجنيد: ما رأيت أعبد من السّريّ، أتت عليه ثمان وتسعون سنة، مارئي مضطجعا إلا في علّة الموت. (١)

وقال السّريّ: التصوف اسم لثلاثة معان (٢):

وهو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه. (٣)

ولا يتكلّم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب والسنة.

ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله. (٤)

وقال الجنيد: سألني السّريّ يوما عن المحبة، فقلت: قال قوم: هي الموافقة، وقال قوم:

الإيثار، وقال قوم: كذا وكذا .. ، فأخذ السريّ جلدة ذراعه، ومدّها، فلم تمتدّ، ثم قال: " وعزّته تعالى، لو قلت: إن هذه الجلدة يبست على هذا العظم من محبّته لصدقت! ". ثم غشّي عليه، فدار وجهه كأنه قمر مشرق، وكان السري به أدمة. (٥)

ويحكى عن السريّ أنه قال: " منذ ثلاثين سنة أنا في الاستغفار من قولي: الحمد لله، مرة".

قيل: وكيف ذلك؟.

فقال: وقع ببغداد حريق، فاستقبلني رجل، فقال لي: نجا حانوتك!.

فقلت: " الحمد لله "، فمنذ ثلاثين سنة أنا نادم على ما قلت، حيث أردت لنفسي خيرا مما حصل للمسلمين!!!. (٦)


(١) تاريخ بغداد ٩/ ١٩٢، وطبقات ابن الملقّن ١٦١، والرسالة القشيرية ١/ ٦٩ - ٧٠.
(٢) أي: ومن قامت به هذه المعاني فهو الصوفي.
(٣) قال العروسي في نتائج الأفكار القدسية: " والمعنى أنّ نور المعرفة الذي من جملته علم ويقين، ولا يطفئ نور الورع المفيد للاجتهاد، وبذل الوسع في الطاعة، والعمل، فلا يجوز ترك العمل والاعتماد على ما سبق به القضاء ".
(٤) الرسالة القشيرية ١/ ٧٠.
(٥) أي سمرة، انظر: المرجع السابق.
(٦) تاريخ بغداد ٩/ ١٨٨، تاريخ الإسلام للذهبي ١٩/ ١٥١.

<<  <  ج: ص:  >  >>