للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنهما، ومزج بعضهما (١) ببعض، والّف منهما الأغاني التي صنعها من أشعار العرب، فأتى بما لم يسمع بمثله، وكان يقال له: صناج العرب.

قال إسحاق: وكان ابن محرز قليل المخالطة للناس، فأخمل ذلك ذكره، فما يذكر الآن غناؤه، وأخذت كل غنائه (٢) جارية لصديق له من أهل مكة كانت تألفه، فأخذ الناس عنها، ومات بالجذام، قال إسحاق: خرج ابن محرز يريد العراق فلقيه حنين (٣) فقال: كم منّتك نفسك من العراق، قال ألف دينار، قال: فهذه خمس مئة دينار، فخذها وانصرف، واحلف أن لا تعود. قال إسحاق: ولم يعاشر الخلفاء ولم يخالط الناس لأجل الداء الذي كان به، ولما شاع ما فعله حنين لامه أصحابه، فقال: لو دخل العراق لما كان لي معه خبز آكله، ولا طّرحت وسقطت إلى آخر الدهر.


(١) في الأصل: بعضها [المراجع].
(٢) في الأصل: عناية [المراجع].
(٣) حنين: هو حنين بن بلوع الحيري المغني، شاعر غزل موسيقي، من كبار المغنيين ولد في الحيرة وكان في صغره يحمل الفاكهة ويطوف بالرياحين على بيوت الفتيات ومياسير أهل الكوفة وأصحاب القيان والمطربين في الحيرة وغيرها، ولع بالغناء والضرب على العود فأخذ عن علمائه وانفرد بصناعته في العراق لا يزاحمه فيها أحد، وكان المغنون في عصره أربعة: ثلاثة في الحجاز: ابن سريج والغريض ومعبد، وهو وحده في العراق، فلما ذاعت شهرته كتبوا إليه أن يشخص إليهم، فقصدهم واستقبلوه وقصدوا به منزل سكينة بنت الحسين والناس من حولهم، فأذنت سكينة للناس إذنا عاما، فامتلأ المنزل وسطحه، ولما جلس يغني أبياتا من صناعته ازدحم الوقوف على السطح فسقط الرواق من تحته، فسلموا جميعا إلا حنينا فانه مات تحت الهدم، فقالت سكينة: لقد كدر علينا حنين سرورنا، انتظرناه مدة طويلة، وكأنما كنا نسوقه إلى منيته، كانت وفاته سنة ١١٠ هـ. (الأغاني ٢/ ٣٤١ ط الدار)

<<  <  ج: ص:  >  >>