رجل وضع في شرفه، وخضع من شرفه، رضع حب الغناء منذ فطم، وأعطى قياده لغير أهل الغناء وما حطم، وانحط إلى الحضيض وحطه كذي (٢) الجناح المهيض، حتى إنه بعد أن أصفقت له الأيدي المبايعة (٣)، وصفت له القلوب للمشايعة (٤) وعقدت البيعة في الرقاب، وعينت له الألقاب، وصعد المنبر وتبوأ أعلاه، وولج المحراب، وأقام الصلاة جذب (٥) عن ذلك المقام، وكذب عليه ليقام، وعير بالغناء مهنته وانشغاله أهنته، حتى استحر وخلع، وعضد اصل سؤدده وقلع، ثم كان هذا عليه عارا يلبسه، وشنارا كما نهض به حسبه يجلسه (٦).
قال أبو الفرج، كان إبراهيم يقول: لولا أني أرفع نفسي عن هذه الصناعة لأظهرت فيها ما يعلم معه أنهم لم يروا قبلي مثلي.
قال إبراهيم: دخلت يوما على الرشيد، وفي رأسي فضلة من خمار (٧)، وبين يديه ابن جامع وإبراهيم الموصلي، فقال: بحياتي يا إبراهيم غنني، فأخذت
(١) إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور العباسي، أبو إسحاق، ويقال له ابن شكلة، وهو أخو هارون الرشيد، ولد ونشأ في بغداد وولاه الرشيد إمرة دمشق ثم عزله عنها بعد سنتين ثم أعاده إليها فأقام فيها أربع سنين، ولما انتهت الخلافة إلى المأمون اغتنم إبراهيم فرصة الخلاف بين الأمين والمأمون فدعا إلى نفسه وبايعه كثيرون في بغداد، فطلبه المأمون فاستتر، فأهدر دمه، فجاء مستسلما فسجنه ستة أشهر، ثم اعتذر له فقبل عذره، وكانت خلافته في بغداد سنتين تقريبا. كان إبراهيم أسود حالك السواد عظيم الجثة وليس في أولاد الخلفاء قبله أفصح منه لسانا ولا أجود شعرا، كان فاضلا سخيا حاذقا بصنعة الغناء، وأمه جارية سوداء اسمها (شكلة) نسبه إليها خصومه، مات في سر من رأى سنة ٢٧٠ هـ. (الأغاني ١٠/ ٦٩ و ٩٤ ابن خلكان ١/ ٨ تاريخ بغداد ٦/ ١٤٢). (٢) في الأصل: كذا. [المراجع]. (٣) في الأصل: «المبالغة». [المراجع]. (٤) في الأصل: «المسايعة». [المراجع]. (٥) في الأصل: «حدب». [المراجع]. (٦) في الأصل: «بحلسه». [المراجع]. (٧) الخمار: الصداع يصيب شارب الخمر، وما يشتكي من شرب الخمر.