ابتداء أبدا إلا لمعنى، فعلمت أنها لم تبتدئ بهذا الصوت إلا لشيء أومئ إليها به، ولم يكن من شرط هذا المعنى إيماء إلا بقبلة، فعلمت أنها أجابت بطعنة.
قال: لما وقف المأمون على خبرها مع محمد بن حامد، أمر بالباسها جبة صوف وختم زيقها (١) وحبسها شهرا في كنيف (٢) مظلم لا ترى الضوء، يدخل إليها خبز وملح وماء من تحت الباب، ثم ذكرها فرق لها، وامر باخراجها، فلما فتح الباب عنها وأخرجت، لم تتكلم بكلمة حتى اندفعت تغني:(٣)[ص ٢٢٨][الكامل]
حجبوه عن بصري فمثّل شخصه … في القلب فهو محجب ما يحجب
فبلغ المأمون ذلك، فعجب منه، وقال: لن تفلح هذه أبدا.
(١) الزيق: ما يحيط بالعنق. (٢) الكنيف: الساتر، وحظيرة من خشب أو شجر تتخذ للإبل والغنم. (٣) البيت لعريب جارية المأمون في الأغاني ٢١/ ٧٩. (٤) إبراهيم الموصلي: إبراهيم بن ميمون بن بهمن، وكان اسم ميمون (ماها) فغيره إلى ميمون التميمي بالولاء مات أبوه وهو صغير فكفله بنو تميم فنسب اليهم أبو إسحاق الموصلي، من المغنين البارعين والملحنين، كان شاعرا ينادم الخلفاء، انتقل والده إلى الكوفة فولد بها، ثم رحل إلى الموصل فأقام سنة يتعلم الضرب على العود فنسب إلى الموصل، واجاد الغناء العربي والفارسي، وكانت منزلته حسنة عند الخلفاء، سمعه المهدي العباسي، وحبسه لشربه النبيذ، فحذق القراءة والكتابة في الحبس، ولما ولي موسى الهادي أغدق عليه وكذلك هارون الرشيد وجعله الرشيد من ندمائه وخاصته، كان ينظم الشعر ويلحنه ويغنيه، توفي ببغداد سنة ١٨٨ هـ. (الأغاني ٥/ ١٦٩ - ٢٦٨ وفيات الأعيان ١/ ٩ تاريخ بغداد ٦/ ١٧٥ مرآة الجنان ١/ ٤٢٠). (٥) الشيز: خشب أسود تعمل منه الامشاط والجفان ونحوها.