قال أبو الفرج: وكان فتيان قريش يغدون إليه وقد عمل عمله بالليل، ومعهم الطعام والشراب والدراهم، فيقولون: قد جئنا، فيقول: الوظيفة الأخرى، أنزلوا أحجاري، فيلقون ثيابهم ويأتزرون بأزرهم وينقلون الحجارة وينزلونها، ثم ينزل على شنخوب (١)[ص ٤٧] من شناخيب الجبل، ويجلسون تحته في السهل، يشربون وهو يغنيهم حتى المساء وكانوا كذلك مدة.
قال إسحاق: زوج ابن سريج لما حضرته الوفاة الهذلي بابنته، فأخذ عنها أكثر غنائه وادّعاه، فغلب عليه، وولدت ابنا، فلمّا يفع جاز يوما بأشعب (٢) وهو جالس في فتية من قريش، فوثب فحمله على كتفه، وجعل يرقصه، ويقول: هذا ابن مزامير داود، فقيل له: ويلك ما تقول، ومن هذا الصبي؟ قال: أو ما تعرفونه، هذا ابن الهذلي من ابنة ابن سريج، ولد على عود، واستهل على غناء (٣)، وحنك (٤) بملوى (٥)، وشدت سرته بوتر، وختن بمضراب.
١٦ - مالك بن [أبي] السّمح (٦)
مطرب لو لم يضمه معبد إليه لكان نظيره أو يزيد عليه، طرح عليه أصواته
(١) الشنخوب: رأس الجبل وأعلاه، وشناخيب الجبال: رؤوسها، ورجل شنخب: طويل (اللسان: شنخب) (٢) هو أشعب بن جبير المعروف بالطامع توفي سنة ١٥٤ هـ. (٣) أي رفع صوته بالبكاء عند الولادة. (٤) حنك: من التحنيك وهو أن تمضغ التمر ثم تدلكه بحنك الصبي. (٥) الملوي: من أجزاء العود، آلة الطرب. (٦) مالك بن أبي السمح الطائي أحد المغنين المقدمين في العصر الأموي وشطر من العصر العباسي، أخذ صناعة الغناء عن معبد، وانقطع إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ثم إلى بني سليمان بن علي، -