رجل كان لما أراد مهيأ، خلط عملا صالحا وآخر سيّئا، كان يلقن القرآن ويعلم الغناء، ويقرب من هذا وهذا الأدناء، وكان بابة (٢) الذكر في أهل الشأن، تائه العطف لا يتقدم الزمان، لو جالس كئيبا لانشرح، وحبيبا مسكه تيه الحب لاطّرح، لألحان حرها وأصوات مثل بيت جان لم تصورها.
قال أبو الفرج: كان يعلم الصبيان القرآن، ويعلم الجواري الغناء [ص ١٦٥] في موضع واحد.
قال بعضهم: وكنت يوما عنده وهو يردّد على صبيّ ﴿وَمِنَ اَلنّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ اَلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اَللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣)، ثم يلتفت إلى صبية بين يديه يرددها عليها:(٤)[السريع]
اعتاد هذا القلب بلباله … أن قرّبت للبين أجماله (٥)
فضحكت ضحكا مفرطا لفعله، فالتفت إليّ وقال: مالك ويلك؟ فقلت: ما سبقك إلى هذا أحد، انظر أي شيء أخذت على الصبي من القرآن، والله إني لأظنك ممن يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله، فقال: أرجو ألا أكون كذلك إن شاء الله تعالى.
قال عبد الصمد بن المعذل: دخل يوما خليلان المعلم على عقبة بن سلم
(١) خليلان: هو الخليل بن عمرو، مكي، مولى بني عامر بن لؤي، مقلّ لا تعرف له صنعة غير صوت واحد، كان خليل المعلم يلقب خليلان، وكان يؤدب الصبيان ويلقنهم القرآن والخط، ويعلم الجواري الغناء في موضع واحد، أخباره في الأغاني. (الأغاني ٢١/ ٢٠٠ - ٢٠٤). (٢) في الأصلك «بابه» وبابة الشيء: وجهه وما يصلح له. [المراجع]. (٣) سورة لقمان الآية ٦. (٤) الشعر لعمر بن أبي ربيعة من قطعة في ديوانه ص ٤٩٩ والأغاني ٢١/ ٢٠٠. (٥) البلبال: شدة الهم والوسواس. البين: الفراق.