للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يستخرجون بذلك أن يطرب فيغني، فلم يجدوا عنده ما أرادوا، فقلت لهم أنا:

حدثني بعض الأعراب حديثا يأكل الأحاديث، فإن شئتم حدثتكم إياه، قالوا:

هات، قلت: حدثني هذا الرجل أنه مرّ بناحية الرّبذة (١)، فإذا صبيان يتغاطسون في غدير، فإذا شاب جميل منهوك الجسم، وعليه آثار العلة، والنحول في جسمه بين، وهو جالس ينظر إليهم فسلمت فرد السلام وقال: من أين وضح الراكب؟ (٢) فقلت: من الحمى (٣)، قال: ومتى عهدك به؟ قلت: رائحا، قال:

وأين كان مبيتك؟ قلت: ببني فلان، قال: أوّه، وألقى نفسه على ظهره وتنفس الصعداء تنفسا (٤) قلت قد خرق حجاب قلبه، ثم أنشأ يقول: (٥) [الطويل]

سقى بلدا أمست سليمى تحلّه … من المزن ما يروي به ويسيم (٦)

وإن لم أكن من قاطنيه فإنه … يحلّ به شخص عليّ كريم

ألا حبذا من [ليس] يعدل قربه … لديّ وإن شطّ المزار نعيم (٧)

ومن لا مني فيه حميم وصاحب … فردّ بغيظ صاحب وحميم

ثم سكت كالمغشي (٨) عليه، فصحت بالصبيان، فأتوا بماء فصببته على وجهه، فأفاق وأنشأ يقول: (٩) [الوافر]


(١) الربذة: من قرى المدينة على ثلاثة أيام، قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز، إذا رحلت من (فيد) تريد مكة، وبهذا الموضع قبر أبي ذر الغفاري (ياقوت: الربذة).
(٢) من أين وضح الراكب: يريد من أين بدا وطلع.
(٣) الحمى: حمى الربذة.
(٤) في الأصل: «نفسا».
(٥) الشعر في الأغاني ٢/ ٢٢٥.
(٦) يسيم: أي يرعى الابل، سامت الإبل إذا رعت، وأسامها صاحبها إذا رعاها.
(٧) في الأصل (ألا حبذا من يعدل قربه).
(٨) في الأصل: «بالمغشي».
(٩) الشعر في الأغاني ٢/ ٢٢٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>