كأنما يستلّ الأكباد [ص ٥٠] ويستلب في كل لحن قطعة من الفؤاد.
قال أبو الفرج: كان يقول: ما رأيت باطلا أشبه بحق من الغناء. ويقال: إن دحمان شهد عند عبد العزيز بن حنظلة (١) وهو يلي القضاء، لرجل من أهل المدينة على رجل من أهل العراق شهادة فأجازها وعدله (٢)، فقال العراقي: إنه دحمان، قال: أعرفه ولو لم أعرفه لسألت عنه، فقال: إنه يغني، ويعلم الجواري الغناء، قال: غفر الله لنا ولك، وأيّنا لا يتغنّى، اخرج إلى الرجل من حقه.
قال عمر (٣) بن شبّة: بلغني أن المهدي أعطى دحمان في ليلة خمسين ألف دينار، وذلك أنه غناه من شعر الأحوص:(٤)[مجزوء الوافر]
قطوف المشي إذ تمشي … ترى في مشيها خرقا (٥)
فطرب واستخفه السرور حتى قال لدحمان: سلني ما شئت، قال: ضيعتان بالمدينة يقال لهما: ريان وغالب (٦)، فأقطعه إياهما، فلما خرج التوقيع إلى أبي عبد الله وعمر بن بزيع، راجعا المهدي فيه وقالا: إن هاتين الضيعتين لم يملكهما
(١) في الأغاني: (عبد العزيز بن المطلب بن حنطب). - قلت: هو عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي؛ ولاه أبو جعفر المنصور القضاء سنة ١٤١ هـ - انظر أخبار القضاة لو كيع ٢٠٢: ٢؛ وتاريخ الطبري ٥٢٩: ٧ [المراجع]. (٢) عدّله: جعله من العدول أي الثقات. (٣) في الأصل: (عمرو بن شبة) وتكرر الاسم في مواضع كثيرة، وهو عمر، وليس (عمرو) وعمرو بن شبة: واسمه زيد بن عبيدة النميري البصري، شاعر رواية مؤرخ له تصانيف كثيرة توفي بسامراء سنة ٢٦٢ هـ. (معجم الأدباء ٦/ ٤٨ تهذيب التهذيب ٧/ ٤٦٠). (٤) البيت في قطعة في ديوان الأحوص ص ٢٠٥. (٥) قطوف المشي: بطيئة متقاربة الخطو، الخرق: الدهشة والتحير. (٦) في الأصل: (أركا وغالب) ولعلها تحريف عن ريان، ولم أجد (أركا) في معجم البلدان، وريان مواضع كثيرة منها أطم من آطام المدينة (ياقوت: ريان).