عضدها وزنه أربعون مثقالا، فرمت به إليه، فقالت: أقسمت عليك لما أدخلته في يدك، ففعل، ثم قالت لأشعب:[ص ٧١] اذهب إلى عزّة الميلاء (١) فاقرئها مني السلام، واعلمها أن عبيدا عندنا، فلتأتنا متفضلة بالزيارة، فأتاها أشعب فأسرعت المجيء، فتحدثوا باقي ليلتهم، ثم أمرت عبيدا وأشعب فناما في حجرة مع مواليها، فلما أصبحت هيّئ لهم غداؤهم، وأذن لابن سريج فدخل فقعد بالقرب منها مع أشعب في مواليها، وقعدت هي مع عزّة وخواصّ جواريها، فلما فرغوا من الغداء قالت يا عزّة، أن رأيت ان تغنّينا، قالت: إي وعيشك، فغنّت لحنها في شعر عنترة العبسي:(٢)[الكامل]
حيّيت من طلل تقادم عهده … أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم
إن كنت أزمعت الفراق فإنما … زمّت ركابكم بليل مظلم
فقال ابن سريج: أحسنت واللّه يا عزّة، وأخرجت سكينة الدّملج الآخر من يدها فرمت به إلى عزّة وقالت: صيّري هذا في يدك، ففعلت ثم قالت لعبيد: هات غننا، (٣) فقال: حسبك ما سمعت البارحة، فقالت: لا بد أن تغنينا في كل يوم لحنا، فلما رأى ابن سريج أنه لا يقدر على الامتناع، غنّى:(٤)[البسيط]
قالت من انت على ذكر فقلت لها … أنا الذي ساقه للحين مقدار (٥)
(١) عزة الميلاء: مولاة للأنصار كانت جميلة وافرة السمن، لقبت بالميلاء لتمايلها في مشيتها، وهي أقدم من غنى غناء موقعا بالحجاز، كانت تضرب بالعيدان والمعازف، أخذ عنها ابن سريج وسمعها معبد وقصدها الشعراء، توفيت سنة ١١٥ هـ (الأغاني ١/ ٣٧٨ ط الدار، أعلام النساء ٢/ ١٠١٣ الدر المنثور ص ٣٤١). (٢) الشعر لعنترة العبسي من معلقته في ديوانه ص ١١٨ ط دار الكتب العلمية ببيروت ١٩٩٥. (٣) في الأصل: (فغناها) وهو خلاف السياق. (٤) البيتان لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص ٤٩٥ وفيه البيت الثاني قبل الأول. (٥) الحين: الموت، والمقدار: هنا القدر.