للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال: جاءني بعض غلماني فحدثني أنه رآه يشرب بقطربّل (١) الداذي (٢) بغير غناء، فهل هذا فعل من يفلح؟ فقلت له وأنا أضحك: سهّلت عليّ القصة، فقال: لا تقل ذاك، فإن هذا من ضعة النفس وسقوط الهمة، فكنت إذا رأيت عبد الله بعد ذلك في جملة المغنين، وشاهدت تبذّله في هذا الحال، وانخفاضه عن مرتبة أهله، ذكرت قول أبيه.

قال: قالت بذل الكبيرة لعبد الله بن العباس: قد بلغني أنك قد عشقت جارية يقال لها عساليج، فاعرضها عليّ، فأما إن عذرتك في حبها، أو عذلتك في أمرها (٣)، فوجه بها إليها وقال لبذل: هذه سيدتي فانظري واسمعي ومري بما شئت أطعك، فأقبلت عليه عساليج فقالت: يا عبد الله، أتشاور فيّ، ووالله ما شاورت فيك لما صاحبتك، فنعرت (٤) بذل وقالت: أحسنت والله يا صبية، ولو لم تحسني شيئا ولا كانت فيك خصلة تجمل، لوجب أن تعشقي لهذه الكلمة، ثم قالت لعبد الله: ما صنعت، احتفظ بصاحبتك. قلت: وربما أن فيها قوله: (٥) [الرمل]

إنّ في القلب من الظّبي كلوم … فدع اللّوم فإن اللّوم لوم (٦)


(١) قطربل: قرية بين بغداد وعكبرا ينسب إليها الخمر، وما زالت متنزها للبطالين وحانة للخمارين، وقيل: هو اسم لطسوج من طساسيج بغداد أي كورة، فما كان شرقي الصراة فهو بادويا، وما كان غربيها فهو قطريل (ياقوت ومعمم ما استعجم: قطربل).
(٢) الداذي: شراب وهو نبت او شيء له عنقود مستطيل وحبه على شكل حب الشعير يوضع منه مقدار رطل في الفرق فتعبق رائحته ويجود اسكاره، ووصف بأنه شراب الفساق. قال الشاعر:
شربنا من الداذي حتى كأننا … ملوك لنا بر العراقين والبحر (اللسان: داذي)
(٣) كذا في الأصل، ولعل الوجه «فإما عذرتك في حبّها وإما عذلتك في أمرها». [المراجع].
(٤) نعرت: صاحت وصوتت بخيشومها.
(٥) الشعر لعبد الله بن العباس الربيعي في الأغاني ١٩/ ٢٧٣.
(٦) لوم: مخفف لؤم.

<<  <  ج: ص:  >  >>