فاستحسنه المعتصم وطرب وقال: أحسنت والله، فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين فإن كنت قد أحسنت فهب لي إحدى هذه الجامات، فقال: خذ أيها شئت، فأخذ التي فيها الدنانير، فنظر بعضنا إلى بعض، ثم غناه إبراهيم بشعر له:(١)[المتقارب]
فما مزة قهوة قرقف … شمول تروق براووقها
فقال: أحسنت والله يا عم وسررت، فقال: يا أمير المؤمنين: إن كنت أحسنت فهب لي جاما أخرى، قال: فخذ أيها شئت، قال: فأخذت الجام التي فيها الدراهم، فعندها انقطع رجاؤنا منها، وغنى بعد ساعة:(٢)[الطويل]
ألا ليت ذات الخال تلقى من الهوى … عشير الذي ألقى فيلتئم الحب
فارتج بنا المجلس الذي كنا فيه، وطرب المعتصم، واستخفنا الطرب، فقام على رجليه وجلس، وقال: أحسنت والله يا عم، قال: فإن كنت أحسنت فهب لي الجام الثالثة، قال: خذها، فأخذها، وقام أمير المؤمنين، فدعا إبراهيم بمنديل فثناه طاقين، ووضع الجامات فيه، ودعا بطين فختمه ودفعه إلى غلامه، ونهضنا للانصراف، وقدمت دوابنا، فلما ركب إبراهيم التفت إلي وقال: يا محمد بن الحارث، زعمت أني لا أحسن أنا وجاريتي شيئا، وقد رأيت ثمرة الإحسان، [فقلت في نفسي: قد رأيت، فخذها لا بارك الله لك فيها! ولم أجبه بشيء].
قال: دخل الحسن بن سهل (٣) يوما على المأمون وهو يشرب، فقال: بحياتي
(١) البيت لإبراهيم بن المهدي في الأغاني ١٠/ ١٤٢. (٢) البيت للعباس بن الأحنف في ديوانه ص ٣٦ برواية: فليتئم الشعب (٣) الحسن بن سهل: بن عبد الله السرخسي وزير المأمون وأحد كبار القادة والولاة في عصره اشتهر بالذكاء المفرط والفصاحة والادب والكرم، وهو والد (بوران) زوجة المأمون وكان المأمون يجله ويكرمه، أصيب بمرض السويداء سنة ٢٠٣ هـ فتغير عقله حتى شد بالحديد، ثم شفي منه قبل