وقد كان غضب عليهن فحبسهن في ذلك القصر، ثم وجّه من غد بخدم فردهن إلى قصره، ووهب لي مئة ألف درهم، وكانت الهدايا والألطاف بعد ذلك تأتيني منهن.
قال مخارق: كنا عند الرشيد في بعض أيامنا، فغناه ابن جامع، ونحن يومئذ بالرقة:(١)[الخفيف]
هاج شوقا فراقك الأحبابا … فتناسيت أو نسيت الربابا
حين صاح الغراب بالبين منهم … فتصاممت أن سمعت الغرابا
لو علمنا أن الفراق وشيك … ما انتهينا حتى نزور القبابا
أو علمنا حين استقلت نواهم … ما أقمنا حتى نزم الركابا
قال: فاستحسنه الرشيد وطرب عليه وأعجبه واستعاده مرارا، وشرب عليه أرطالا حتى سكر، وما سمع شيئا غيره ولا أعجبه، ولا أقبل على أحد، وأمر لابن جامع بخمسة آلاف دينار، فلما انصرفنا قال لي إبراهيم: لا ترم منزلك حتى أصير إليك، فصرت إلى منزلي، فلم أغير ثيابي حتى أعلمني غلامي بموافاته، فلقيته في دهليزي (٢)، فدخل فجلس وأجلسني بين يديه، ثم قال لي: يا مخارق، أنت نسيلة (٣) مني إحساني إليك، وقبحي عليك، ومتى تركنا ابن جامع على ما ترى غلبنا على الرشيد، وقد صنعت صوتا في طريقة صوته الذي غنّاه، أحسن صنعة منه وأشجى، وإنما يغلبني (٤) عند هذا الرجل بصوته، ولا مطعن على صوتك،
(١) الشعر في الأغاني ٥/ ٢٧٧، (٢) الدهليز: الممر الذي بين الباب ووسط الدار (فارسي معرب). (٣) النسيلة: واحدة النسيل والنسال: وهو ما سقط من الصوف أو الشعر عند نسله، يريد: (قطعة مني) وفي الأغاني: (فسيلة) وهي صغار النخل يقطع عن أمه فيغرس. (٤) في الأصل: (نغلبه) وهو خلاف المقصود.