شجر الغناء بالجلنار، أرق من النسيم شمائل، وأرق من الغيد بوصف البانة المتمايل، يوفي كل مقام حقه، وكل مقال صدقه، ويضحى به البوس، ويضحك الزمان العبوس، حضر مع مواليه للمنادمة، وقد بذل [ص ٧٦] لهم لبلوغ المنى دمه، وكان يغنّي له بالأصوات، ويعنى في كل شعر له موات. وكان قوي القريحة، فما لا يدرك مهلة، ولا يظن البحار إلا نهله.
قال أبو الفرج: وكان أحمد بن أبي دواد (١)، ينكر أمر الغناء إنكارا شديدا، فأعلمه المعتصم أن صديقه أبا دلف يغني، فقال: ما أراه مع عقله يفعل ذلك، فستر المعتصم أحمد بن أبي دواد [في موضع وأحضر أبا دلف، وأمره أن يغني، ففعل ذلك وأطال، ثم خرج أحمد بن أبي دواد](٢) عليه من موضعه، والكراهة ظاهرة في وجهه، فلما رآه قال أحمد: سوءة لهذا من فعل، أبعد الستين وهذا المحل تضع نفسك بما أرى؟ فخجل أبو دلف وتشوّر (٣) وقال: إنهم أكرهوني على الغناء، [فقال: هبهم أكرهوك على الغناء](٤) أفأكرهوك على الإحسان فيه؟
قال أحمد بن عبيد الله: كنّا عند المبرّد يوما، وعنده فتى من ولد أبي البختري وهو ابن أبي وهب بن عمار القاضي له جمال ظاهر، وفتى من ولد أبي دلف العجلي شبيه به في الجمال، فقال المبرّد لابن أبي البختري: أعرف لجدك قصة من
(١) أحمد بن أبي دواد: أحد القضاة المشهورين من المعتزلة، ورأس فتنة القول بخلق القرآن، كان فصيحا عارفا بالأخبار والأنساب، وكان قاضي القضاة في زمن المعتصم والواثق، أصيب بالفالج في زمن المتوكل وتوفي ببغداد سنة ٢٣٣ هـ. (ابن خلكان ١/ ٢٢ تاريخ بغداد ٤/ ١٤١ - ١٥٦ لسان الميزان ١/ ١٧١ ثمار القلوب ص ١٦٣). (٢) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، والتتمة من الأغاني ٨/ ٢٥٩. (٣) تشور: خجل، وشور فلانا وبه: أخجله. (٤) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل وبه يتم المعنى.