قال إسحاق: غدوت يوما ضجرا من ملازمة دار الخلافة والخدمة فيها، فخرجت وركبت بكرة، وعزمت على أن أطوف الصحراء أفترج فيها، فقلت لغلماني: إن جاء رسول الخليفة، فعرفوه أني بكرت في بعض مهماتي، وأنكم لا تعرفون أين توجهت، ومضيت فطفت ما بدا لي، ثم عدت وقد حمي [ص ١٩١] النهار، فوقفت في شارع المخرم (١) في فناء ثخين الظل وجناح رحب على الطريق لأستريح، فلم ألبث أن جاء خادم يقود حمارا فارها (٢) عليه جارية راكبة تحتها منديل دبيقي (٣)، وعليها من اللباس الفاخر ما لا غاية بعده، ورأيت لها قواما عادلا حسنا وظرفا وشمائل حسنة، فحدست عليها أنها مغنية، فدخلت الدار التي كنت واقفا عليها، ثم لم ألبث أن أقبل خادمان ومعهما رجلان شابان جميلان، فاستأذنا فأذن لهما، فنزلا ونزلت معهما، ودخلت فظنا أن صاحب الدار دعاني، وظن صاحب البيت أني معهما، فجلسنا وأتي بالطعام فأكلنا، وبالشراب فشربنا أقداحا، وقمت لأبول، فسأل صاحب المنزل الرجلين عني، فأخبراه أنهما لا يعرفاني، فقال: هذا طفيلي، ولكنه ظريف، فأجملا عشرته، وجئت فجلست، فغنت الجارية في لحن لي:(٤)[الطويل]
(١) المخرم: محلة ببغداد في الجانب الشرقي، والمخرم: محلة كانت ببغداد بين الرصافة ونهر المعلّى وفيها كانت الدار التي يسكنها السلاطين البويهية والسلجوقية خلف الجامع المعروف بجامع السلطان، وكانت هذه المحلة بين الزاهر والرصافة، وهي منسوبة إلى مخرم بن يزيد بن شريح بن مخرم. (ياقوت ومعجم ما استعجم: المخرم). (٢) الفاره: النشيط. (٣) دبيقي: نسبة إلى دبيق بليدة كانت بين الفرما وتنيس من أعمال مصر. (ياقوت: دبيق). (٤) الشعر لذي الرمة في ديوانه ص ١١١ من قصيدة، وفي الأغاني ٥/ ٤٣٨ - ٤٣٩.