مُتَنَغِّصُ العَيْشِ، مُقَتَّرًا عَلَيْهِ أَكْثَرَ عُمُرِهِ. وَكَانَ الوَزِيْرُ ابنُ رَئِيْسِ الرُّؤسَاءِ سَأَلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الحِكْمَةِ فَقِيْلَ لَهُ: إِنَّ صَدَقَةَ النَّاسِخُ لَهُ يَدٌ قَوِيَّةٌ فِي ذلِكَ، فَأَنْفَذَهَا إِلَيْهِ، فَكَتَبَ فِيْهَا جَوَابًا حَسَنًا شَافِيًا، اسْتَحْسَنَهُ الوَزِيْرُ، وَسَأَلَ عَنْ حَالِهِ، فَأُخْبِرَ بِفَقْرِهِ، فَأَجْرَى لَهُ مَا يَقُوْتُهُ، وَعَلِمَتِ الجِهَةُ "بَنَفْشَا" (١) بِحَالِهِ - يَعْنِي جِهَةِ الخَلِيْفَةِ - فَصَارَتْ تَفْتَقِدُهُ فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ، بِمَا يَكُوْنُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنَ الأَطْعِمَةِ الفَاخِرَةِ وَالحَلْوَى، فَيَعْجَزُ عَنْ أَكْلِهِ، فَيُعْطِيْهِ لِمَنْ يَبِيْعَهُ لَهُ، فَكَانَ رُبَّمَا شَكَى حَالَهُ لِمَنْ يَأْنَسُ بِهِ، فَيُشَنِّعُ عَلَيْهِ مَنْ لَهُ فِيْهِ غَرَضٌ، وَيَقُوْلُ: هُوَ يَعْتَرِضُ عَلَى الأَقْدَارِ، وَيَنْسِبُهُ إِلَى أَشْيَاءَ، اللهُ أَعْلَمُ بِحَقِيْقَتِهَا.
قَالَ: وَحَكَى لِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالَ: دَخَلَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى صَدَقَةَ، وَإِلَى جَانِبِهِ مِرْكَنٌ (٢)، وَعَلَيْهِ خِرْقَةٌ مَبْلُوْلَةٌ، قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا الذُّبَابُ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذا المِرْكَنُ؟ قَالَ: فِيْهِ حَلْوَى السُّكَّرِ يَابِسَةٌ، قَدْ نَقَّعْتُهَا فِي المَاءِ لِتَلِيْنَ وَأَقْدِرُ علَى أَكْلِهَا؛ لِذَهَابِ أَسْنَانِي، وَأَعْجَبَكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ لِي أَسْنَانٌ صِحَاحٌ قَوِيَّةٌ لَمْ يُقَدِّرْنِي القَدْرُ علَى التَّمْرِ، فَلَمَّا كَبُرْتُ وَذَهَبَتْ أَسْنَاني رُزِقْتُ هَذِهِ الحَلْوَى اليَابِسَةَ، لأَزْدَادَ بِنَظَرِي إِلَيْهَا وَعَجْزِي عَنْ أَكْلِهَا
(١) هِيَ فتَاةٌ للمُسْتَضِيءِ بِاللهِ الخَلَيْفَةُ العَبَّاسِيُّ، وَكَانَتْ أَحَبَّ سَرَارِيْهِ إِلَيْهِ، مَشْهُوْرَةٌ بِأَعْمَالِ الخَيْرِ، أَوْقَفَتْ مَدْرَسَةً بِـ "بَابِ الأَزَجِ" وَعَمَرَتْ عِدَّةَ مَسَاجِدَ، تُوُفِّيَت سَنَةَ (٥٩٨ هـ) رَحِمَهَا اللهُ. أَخْبَارُهَا فِي: كِتَابِ جِهَاتِ الأَئِمَّةِ الخُلَفَاءِ لابنِ السَّاعِي (١١١)، وَالتَّكْمِلَةِ لِوَفَيَاتِ النَّقَلَةِ (١/ ٤٢٢)، وَمِرْآةِ الزَّمَانِ (٨/ ٥١٠)، وَالوَافِي بِالوَفَيَاتِ (١٠/ ٢٩٣)، وَالبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ (١٣/ ٣٤).(٢) المِرْكَنُ: شِبْهُ تَوْرٍ مِنْ أَدَمٍ يُتَّخَذُ لِلْمَاءِ … اللِّسَان (رَكَنَ) وَالتوْرُ: إِنَاءٌ يُشْرَبُ بِهِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.