فَتَلَطَّفَ فِي التَّخَلُّصِ مِنْهُمْ حَتَّى خَلُصَ، فَسَارَ إِلَى "المَوْصِلِ" وَكَانَ الخَلِيْفَةُ قَدْ اسْتَوْزَرَ فِي هَذِهِ المُدَّةِ غَيْرَهُ (١)، وَكَانَ هَذَا الوَزِيْرُ الجَدِيْدُ قدْ بَعَثَ إِلَى أَقْطَارِ البِلَادِ فِي إِهْلَاكِ ابْنِ يُونُسَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى "المَوْصِلِ" خَرَجَ أَمِيْرُهَا وَسَأَلَهُ المَقَامَ؛ لِيَقْبِضَ عَلَيْهِ، فَانْفَلَتَ مِنْهُ، وَنَزَلَ فِي سَفِيْنَةٍ وَبَعْضُ حَوَاشِيْهِ، وَانْحَدَرُوا لَيْلًا إِلَى "تَكْرِيْتَ"، فَفَعَلَ بِهِ مَنْ فِي قَلْعَتِهَا كَمَا فَعَلَ صَاحِبُ "المَوْصِلِ" فَتَفَلَتْ مِنْهُمْ أَيْضًا، وَوَصَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" فَانْتَقَلَ إِلَى بَعْضِ سُفُنِهَا، وَتَنَكَّرَ، وَوَصَلَ إِلَى بَيْتِهِ بِـ "بَابِ الأَزَجِ" ثُمَّ شَاعَ خَبَرُهُ، فَطَلَبَهُ الخَلِيْفَةُ إِلَى دَارِهِ، وَلَمْ يَزَلْ فِي هَذِهِ المُدَّةِ يُدَرِّسُ القُرْآنَ، وَيُدَارِسُ الفِقْهَ وَيَتَحَفَّظُ مَا كَانَ نَسِيَهُ مِنْ أَنْوَاعِ العُلُوْمِ، ثُمَّ وَلَّاهُ الخَلِيْفَةُ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِيْنَ أَمْرَ المَخْزَنِ وَالدِّيْوَانِ، ثُمَّ جَعَلَهُ أُسْتَاذَ الدَّارِ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِيْنَ، وَفِي وِلَايَتِهِ هَذِهِ عُقِدَ المَجْلِسُ لِقَاضِي القُضَاةِ العَبَّاسِيِّ، وَأَحْضَرَ القُضَاةَ وَالعُلَمَاءَ، أَفْتُوا وَأَثْبَتُوا فِسْقَهُ لِقَضِيَّةٍ كَانَ قَدْ حَكَمَ فِيْهَا، وَعَزَلَهُ، وَبَقِيَ عَلَى وِلَايَتِهِ إِلَى رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعِينَ، فَعُزِلَ وَقُبِضَ عَلَيْهِ، وَذلِكَ فِي وِلَايَةِ ابْنِ القَصَّابِ الوِزَارَةِ (٢).
(١) يَظْهَرُ أَنَّ الوَزِيْرَ الجَدِيدَ هُوَ ابْنُ القَصَّابِ الآتِي فَإِنَّهُ وَلِيَ النِّيَابَة فِي الوِزَارَةِ سَنَةِ (٥٨٤ هـ) فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ وَلِيَ الوِزَارَةَ سَنَةَ (٥٩٠ هـ)، فِي رَجَبٍ كَمَا قَالَ ابْنُ الدُّبَيْثِيِّ.(٢) عَلِمْنَا أَنَّ ابْنَ القَصَّابِ وَلِيَ الوِزَارَةَ فِي رَجَبٍ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ منْ أَوَّلِيَّاتِهِ القَبْضَ عَلَى ابنِ يُونُسَ؛ لأَنَّهُ يَشْعُرُ بِخَطَرِهِ عَلَيْهِ، وَابْنُ القَصَّابِ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ بنِ أَحْمَدَ بنِ القَصَّابِ البَغْدَادِيُّ، مُؤَيَّدُ الدِّيْنِ (ت: ٥٩٢ هـ) كَانَ أَبُوهُ قَصَّابًا أَعْجَمِيًّا بِـ "سُوْقِ الثُّلَاثَاء"، وَلَعَلَّ أَبْرَزَ مَا فِي حَيَاتِهِ أَنَّهُ سَارَ فِي العَسَاكِرِ فَافْتَتَحَ "هَمَذَانَ" وَ"أَصْبَهَانَ" وَحَاصَرَ =
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.