دَارِهِ، فَحَضَرْتُ وَأَمَرَنِي وَلَدَاهُ أَنْ أُغَسِّلَهُ فَغَسَّلْتُهُ، فَرَفَعْتُ يَدَهُ لِيَدْخُلَ المَاءَ فِي مَغَابِنِهِ، فَسَقَطَ الخَاتَمُ مِنْ يَدِهِ حَيْثُ رَأَيْتُ ذلِكَ الخَاتَمَ، فَتَعَجَّبْتُ مِنْ وَجْهِهِ، وَرَأَيْتُ فِي وَقْتِ غَسْلِهِ آثَارًا بِوَجْهِهِ وَجَسَدِهِ، تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَسْمُوْمٌ، وَحُمِلَتْ جِنَازَتُهُ يَوْمَ الأَحَدِ إِلَى جَامِعِ القَصْرِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ حُمِلَ إِلَى مَدْرَسَتِهِ الَّتِي أَنْشَأَهَا بِـ "بَابِ البَصْرَةِ" فَدُفِنَ بِهَا، وَغُلِّقَتْ يَوْمَئِذٍ أَسْوَاقُ "بَغْدَادَ" وَخَرَجَ جَمْعٌ لَمْ نَرَهُ لِمَخْلُوْقٍ قَطُّ فِي الأَسْوَاقِ، وَعَلَى السُّطُوْحِ وَشَاطِئِ "دِجْلَةَ" وَكَثُرَ البُكَاءُ عَلَيْهِ؛ لِمَا كَانَ يَفْعَلُهُ مِنَ البِرِّ، وَيُظْهِرُهُ مِنَ العَدْلِ. وَذَكَرَ مُصَنِّفُ سِيْرَتِهِ أَنَّهُ كَانَ ثَارَ بِهِ بَلْغَمٌ وَهُوَ فِي قَصْرِهِ بِـ "الخَالِصِ" ثُمَّ خَرَجَ مَعَ المُسْتَنْجِدِ لِلْصَّيْدِ، فَسُقِيَ مُسْهِلًا لأَجْلِ البَلْغَمِ، فَاسْتَأْذَنَ الخَلِيْفَةَ فِي الدُّخُوْلِ إِلَى "بَغْدَادَ" لِلتَّدَاوِي، فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي مَوْكِبٍ عَظِيْمٍ، وَصَلَّى الجُمُعَةِ، وَحَضَرَ النَّاسُ عِنْدَهُ يَومَ السَّبْتِ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الأَحَدِ عَاوَدَهُ البَلْغَمُ، فَوَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَصَرَخَ الجَوَارِي، فَأَفَاقَ فَسَكَّتَهُنَّ، وَقِيْلَ لَهُ: إِنَّ أُسْتَاذَ الدَّارِ ابْنَ رَئِيْسِ الرُّؤسَاءِ (١) قَدْ بَعَثَ
(١) أُسْتَاذُ دارِ الخِلَافَةِ ابنُ رَئِيْسِ الرُّؤَسَاءِ هُوَ عَضُدُ الدِّينِ، مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ، مِنْ بَيْتِ رِئَاسَةٍ وَوَزَارَةٍ يُعْرَفُ بَيْتُهُم قَدِيْمًا بِـ "بَيْتِ بَنِي المُسْلِمَةِ" ثُمَّ عُرِفُوا بِـ "آلِ المُظَفَّرِ" وَ"آل الرُّفَيْلِ" وَالحَدِيْثُ عن هَذَا البَيت يَطُوْلُ، وَقدْ ذَكَرْتُ طَرفًا من أَخْبَارِ وَأُصُوْلِ "آلِ المُسْلِمَةِ" فِي "الطَّبَقَاتِ"، وَأُسْتَاذُ دَارِ الخِلَافَةِ هَذا هُو الَّذي قَتَلَ أَوْلادَ الوَزِيْرِ ابنِ هُبَيْرَةَ، وَأَصْحَابَهُ، وَأَنْصَارَهُ. وَلَمَّا قُتِل سَنَةَ (٥٧٤ هـ) قَالَ ابنُ العطَّارِ صَاحِبُ المَخْزَنِ اللهُ أَكْبَرُ يَا ثَارَاتِ طَبَرِيَّا، يَا ثَارَاتِ عِزِّ الدِّين، يعْنِي ابْنَيْ الوَزِيْرِ ابن هُبَيْرَةَ فَإِنَّهُمَا قُتِلَا فِي أَيَّامِ ابنِ رَئيْسِ الرُّؤَسَاءِ يَعْنِي قَبْلَ وِزَارَتِهِ، وَلَمَّا بَلَغَ القَاضِي الفَاضِلَ قَتْلُهُ قَالَ: {وَمَا =
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.