للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لا إله إلا الله، ويعتقده بقلبه، ويقولها بلسانه، ويعمل بمقتضاها، وإلا فليس من أهلها ولو قالها في كل يوم ألف مرة، فإن أهل الردة الذين قاتلهم أبو بكر الصديق ومعه جميع الصحابة، وسبى ذريتهم، وغنم أموالهم (١)، كانوا يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويصلون ويقرؤون القرآن ويحجون ويصومون، فلم تنفعهم، لأنهم لم يعملوا بمقتضاها، لما امتنعوا من دفع الزكاة إلى أبي بكر الصديق. ومعناها أن يشهد قائلها على نفسه قولًا واعتقادًا وعملًا أنه لا يعبد إلا الله ويتبرأ من عبادة غيره، ويحب في ذلك وببغض فيه، ويوالي ويعادي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل لا إله إلا الله. اهـ.


(١) ورد ذلك عند مسلم (٣٠)، وقال شراحه - منهم: القاضي عياض في «إكمال المعلم» (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤) والعبارة له - وأقره النووي في «المنهاج» (١/ ٢٨٠ - ٢٨١) -: واختلف العلماء في قتل تارك غير الشهادتين، فأكثرهم على أن ذلك حد لا كفر، وهو الصحيح، وقيل: كفر، والقول بهذا في تارك الصلاة أكثر، وعليه تأولوا سبي أبي بكر لنساء مانعي الزكاة وأموالهم لاعتقاده كفرهم ولقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية، وحكم فيهم حكم الناقض للعهد، فلما توفي وولى عمر ردَّ عليهم ذريتهم وحكم فيهم حكم المرتدين. وكان أهل الردة ثلاثة أصناف: صنف كفر بعد إسلامه ولم يلتزم شيئًا وعاد لجاهليته أو اتبع مسيلمة أو العنسي وصدَّق بهما وصنف أقرَّ بالإسلام إلا الزكاة فجحدها وأقرّ بالإيمان والصلاة، وتأول بعضهم أن ذلك كان خاصًا بالنبي لقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً … ﴾ الآية، وصنف اعترف بوجوبها ولكن امتنع من دفعها إلى أبي بكر وقال: إنما كان قبضها للنبي خاصة لا لغيره ممن يقوم مقامه بعده، وفرقوا صدقاتهم بأيديهم، فرأى أبو بكر والصحابة قتال جميعهم، الصنفين الأولين لكفرهم والثالث لامتناعه بركاته، شمل جميعهم اسم الردة؛ إذ كانوا الأكثر، حتى لم يكن صلي الله إلا في المدينة ومكة وجواثا.
وفيمن كفر منهم اختلف في سبي ذراريه لا في مانعي الزكاة، قاله الخطابي. ثم لم ينقرض العصر حتى أجمعوا على أنه لا يسبى المرتد، وإنما اختلف العلماء في سبي أولاد المرتدين وإلى مذهب أبي بكر فيهم وتأويله ذهب أصبغ بن الفرج من أصحابنا. وبرأي عمر قال جمهور العلماء، ولا يصح أن يكون خلاف بين الصحابة في قتال الصنف الأول إذ هم كفار بغير خلاف، وإنما وقع النزاع - أولًا، في هذين الصنفين الآخرين إذ هم متأولون، ولعذرهم بجهلهم بحقيقة أركان الشريعة لقرب عهد كثير منهم بالإسلام، وقِصَر مُدتهم فيه، وأما الآن فقد وقع الإجماع أنه من جحد فريضةً من الفرائض فهو كافر. انتهى.

<<  <  ج: ص:  >  >>