قال (ك): «يقول تعالى أمرًا عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد الحث على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما إليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق، والوالدة بالإشفاق، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤] ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما في مقابلة إحسانهما المتقدم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أي: وإن حرصا عليك أن تتابعهما على (١) دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، فلا تطعهما في ذلك، فإن مرجعكم إليَّ يوم القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما وصبرك على دينك، وأحشرك مع الصالحين، لا في زمرة والديك وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا، فإن المرء يحشر يوم القيامة مع من أحب، أي حبًا دينيًا (٢).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: بر الوالدين أعظم الواجبات بعد توحيد الله ﷿، وعقوقهما شر المعاصي بعد الإشراك بالله، ومع أن الله أوصى بالإحسان إليهما،
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «في». (٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٠/ ٤٩٥).