من الأعمال، ويعلم ما يشركون به من الأنداد و ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩].
ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ أي: وما يفهمها ويتدبرها إلا الراسخون في العلم والمتضلعون (١) منه، وروى ابن أبي حاتم بسنده (٢) عن عمرو بن مرة قال: ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني لأني سمعت الله يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٣).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: قال الله تعالى في سورة السجدة: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٦ - ٧]، فكل ما خلقه الله فهو حسن كامل واف بالغرض الذي خلق لأجله، فبيوت النمل في غاية الإحكام وحسن الهندسة، تتحير فيها الألباب، وبيوت النحل كذلك، وأعشاش الطيور، فكذلك بيت العنكبوت هو في غاية الكمال، واف بالغرض الذي خلق لأجله، وليس فيه نقص ولا عيب، ولكن لو أن الإنسان اتخذ بيتًا من نسج العنكبوت لا يصلح أن يكون له مسكنًا لا يقيه حرًا ولا بردًا ولا مطرًا ولا يحفظه من السراق واللصوص، فهو كالعدم، فكذلك الذين اتخذوا أولياء يعبدونهم مع الله لا ينفعونهم بشيء، ولا يدفعون عنهم شيئًا من الضر، فهذا وجه الشبه بين المشركين وبين من اتخذه من نسيج العنكبوت.
قال (ك): هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين بأن
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «المتضلعون» من غير واو في أوله. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٩/ ٣٠٦٤) رقم (١٧٣٢٧). (٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٠/ ٥١٢ - ٥١٣) بتصرف.