للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده؟]

في «الصحيح» عن عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» (١)، فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين (٢): فتنة القبور، وفتنة التماثيل.

ولهما عنها: لما نُزِّل برسول الله طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبْرِزَ قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا (٣). أخرجاه.

ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي قبل أن يموت وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (٤).

فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله، والصلاة عندها من ذلك وإن لم يُبن مسجد وهو معنى قولها: «خشي أن يتخذ مسجدًا»، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وكل موضع قصد (٥) الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يُصلَّى فيه يسمى مسجدًا، كما قال : «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (٦).

ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود مرفوعًا: «إن من شرار الناس من


(١) أخرجه البخاري (٤٢٧)، ومسلم (٥٢٨).
(٢) من مطبوع «تفسير ابن كثير» وسقط من الأصل.
(٣) أخرجه البخاري (٤٣٥)، ومسلم (٥٣١).
(٤) أخرجه مسلم (٢٣٢).
(٥) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «قصدت».
(٦) سبق تخريجه.

<<  <  ج: ص:  >  >>