للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بذلك غضب الله تعالى، روى مالك في «الموطأ» عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١). اهـ.

فإذا كان غضب الله يشتد على من بنى المساجد على قبور الأنبياء وجعل صلاته ودعاءه عند قبورهم، وإن كان يدعو الله وحده ولا يشرك به شيئًا، فما بالك بأصحاب المواسم الذين يشدون الرحال من بلدان بعيدة بنسائهم وأولادهم إلى الوثن، ويذبحون له ويطوفون بضريحه، ويتمسحون به ويستغيثون به، لا شك أن غضب الله يكون عليهم أشد، وستصير تلك المودة التي جمعتهم على الأوثان عداوة يوم القيامة حين ينكشف الغطاء، ويتبين لهم أنهم كانوا خاسرين ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤].

[الباب الرابع]

قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١ - ٤٣].

قال (ك): «هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، يرجون نصرهم ورزقهم، ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يجدي عنه شيئًا، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء، وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه الله، وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع، فإنه متمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها لقوتها وثباتها، ثم قال متوعدًا لمن عبد غيره وأشرك به (٢): إنه تعالى يعلم ما هم عليه.


(١) سبق تخريجه.
(٢) من مطبوع «تفسير ابن كثير»، وسقطت من الأصل.

<<  <  ج: ص:  >  >>