للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وضعت الحبلى حملها بسلامة إلى غير ذلك من الأغراض، أو ينذر صومًا أو حجًا أو عمرة أو صدقة، فإن ذلك عبادة الله يجب الوفاء به.

فإن نذر شيئًا مما يعبد الله تعالى به كالذبح والصدقة لغير الله تعالى من الملائكة والأنبياء والصالحين وغير الصالحين فلا يجوز الوفاء به، ويجب على الناذر أن يتوب إلى الله ويعود إلى الإسلام، ولهذا ذكرت هذه الآية.

فائدة ثانية: ثناء الله تعالى وترغيب رسوله في إكرام الأسير الكافر الذي كان بالأمس يقاتل المسلمين يسفك دماءهم، ولا يزال حريصًا على قتلهم إلا أنه عاجز مغلوب على أمره، من أعظم الأدلة على فضل الإسلام على جميع الشرائع والقوانين الوضعية، فإننا لم نر قانونًا لدولة يحث على إكرام الأسير، بل بالعكس رأينا الحلفاء لما انتصروا في الحرب العالمية الأخيرة يهينون الأسرى ويحاكمونهم محاكمة كاذبة خاطئة ظالمة وحشية، كمحاكمة الهر للفأر، فيزعمون أنهم ارتكبوا جرائم في الحرب، ولا يرون فظاعة هذه الجريمة التي يرتكبونها بقتل الأسرى الذين لا يملكون أي وسيلة يدافعون بها عن أنفسهم، فهم كما قال «الإنجيل»: «يرى أحدكم القذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع المعترض في عين نفسه».

فهذه القوانين التي تستندون إليها بقتل أساراكم من وضعها؟ فهل اتفقتم على وضعها مع أعدائكم قبل أن تقدموا على الحرب؟ أرأيتم لو انتصر عليكم أعداؤكم أكنتم ترضون بمثل هذه المحاكمة؟ أنتم واضعو القانون، وأنتم الخصوم، وأنتم الحكام، كما قال الشاعر (١):

فيك الخِصَامُ وأنت الخَصْمُ والحَكَمُ

وقال البوصيري (٢):

ولا تَطِعْ مِنهُمَا خَصْمًا ولا حَكَمًا … فأنت تَعْرِفُ كَيدَ الخَصْمِ والحَكَمِ

فهؤلاء الحلفاء المتعسفون فداء لصلاح الدين الأيوبي الذي لما سمع أن عدوه (رشارد) الملقب بقلب الأسد قد جرح بعث إليه طبيبه الخاص فعالجه حتى برأ، و (رشارد) هذا هو ملك بريطانية، وقائد جيشها في الحروب الصليبية،


(١) هو المتنبي، والمذكور عجز بيت ضمن قصيدة في «ديوانه» (٣٢٣ - ٣٢٥) وصدره: يا أعدل الناس! إلا في معاملتي.
(٢) في «بردته» (ص ١٧ - مع «حاشية الباجوري»).

<<  <  ج: ص:  >  >>