فابن عمر وبُصرة بن أبي بصرة جعلا الطور مما نُهي عن شد الرحال إليه.
لأن اللفظ الذي ذكراه في (١) النهي عن شدها إلى غير الثلاثة مما يقصد به القربة، فعلم أن المستثنى منه عام في المساجد وغيرها، وأن النهي ليس خاصًا بالمساجد، ولهذا نهيا عن شدها إلى الطور مستدلين بهذا الحديث، والطور إنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة البقعة فإن الله سماه (الوادي المقدس)، و (البقعة المباركة) وكلم كليمه موسى ﵇ هناك.
وهذا هو الذي عليه الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، ومن أراد بسط القول في ذلك والجواب عما يعارضه فعليه بما كتبه شيخ الإسلام مجيبًا لابن الأخنائي (٢) فيما اعترض به على ما دلت عليه الأحاديث [الصحيحة](٣) وأخذ به العلماء (٤) وقياس الأولى، لأن المفسدة في ذلك ظاهرة.
وأما النهي عن زيارة غير المساجد الثلاثة فغاية ما فيها أنها لا مصلحة في ذلك توجب شد الرحال ولا مزية تدعو إليه. وقد بسط القول في ذلك الحافظ محمد بن عبد الهادي في كتاب «الصارم المنكي» في ردّه على السبكي، وذكر فيه علل الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي ﷺ، وذكر هو وشيخ الإسلام رحمهما الله تعالى أنه لا يصح منها حديث عن النبي ﷺ، ولا عن أحد من أصحابه مع أنها لا تدل على محل النزاع، إذ ليس فيها إلا مطلق الزيارة، وذلك لا ينكره أحد بدون شد الرحال فيحمل على الزيارة الشرعية التي ليس فيها شرك ولا بدعة.
قوله:«رواه في «المختارة»»، «المختارة»: كتاب جمع فيه مؤلّفه الأحاديث الجياد الزائدة على «الصحيحين». ومؤلفه هو أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ ضياء الدين الحنبلي أحد الأعلام، قال الذهبي: «أفنى عمره في
(١) كذا في مطبوع «الفتح»، وفي الأصل: «ذكر فيه»! (٢) اسمه «الاستغاثة في الرد على البكري» طبع مرات، وحققه غير واحد كل على حدة، منهم عبد الله السهيلي عن دار الوطن في مجلدين، ومحمد عجال عن الغرباء في مجلدين، وطبع قديمًا دون تحقيق. (٣) غير موجود في مطبوع «فتح المجيد». (٤) بعدها في مطبوع «الفتح»: «وفي «الجواب الباهر» الذي نقل عنه ابن عبد الهادي - رحمه الله تعالى -».