وكذلك هذه الآية الكريمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب فيه مناسبة (١)؛ لأنه لما أثنى على الله (٢) فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى، فلهذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وفي هذا دليل على أن السورة (٣) خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك، ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك وهو قادر عليه، كما جاء في «الصحيحين» عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»(٤)، وفي «صحيح مسلم» من حديث العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: «يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال الله: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾، قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» (٥).
وقال (٦) قتادة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، يأمركم أن تخلصوا له العبادة وأن تستعينوه على أموركم». وإنما قدم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على «إياك نستعين»؛ لأن العبادة له هي المقصودة والاستعانة وسيلة إليها والاهتمام والحزم ما هو الأهم (٧) فالأهم» (٨). ثم قال: «والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد عند الله.
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وهو مناسبة». (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «تعالى». (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير: أول السورة». (٤) أخرجه البخاري رقم (٧٥٦)، ومسلم رقم (٣٩٤). (٥) أخرجه مسلم رقم (٣٩٥). (٦) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وقال الضحاك عن ابن عباس ﵄: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يعني إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على طاعتك وعلى أمورنا كلها وقال قتادة … » .. (٧) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «والاهتمام والحزم هو تقديم ما هو الأهم فالأهم». (٨) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٢١٤ - ٢١٦).