للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأئمتهم وقادتهم، فهوى رسول الله ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء.

فلما كان من الغد، قال عمر: فغدوت إلى النبي وأبي بكر، وهما يبكيان، فقلت: ما يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ قال النبي : «للذي (١) عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة»، لشجرة قريبة من النبي ، وأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٩] فأحل لهم الغنائم فلما كان يوم أحد من العام المقبل، عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون رجلًا، وفر أصحاب النبي عن النبي ، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] (٢).

وقال البخاري (٣) في كتاب المغازي: باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ عن عبد الله بن مسعود قال: «شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به، أتى النبي وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي أشرق وجهه وسره». يعني: قوله» (٤).

قال محمد تقي الدين: المراد بذكر هذه الآية أن الاستغاثة في الشدائد لا تكون إلا بالله، ومن استغاث بغير الله فقد كفر؛ لأن الله تعالى أخبرنا أن النبي وأصحابه في غزوة بدر حين اشتد بهم الكرب وتكاثرت عليهم الأعداء، استغاثوا كلهم بالله، استغاث النبي واستغاث الصحابة بالله، ولم يستغث الصحابة بالنبي


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «الذي».
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٣٠)، ومسلم (١٧٦٣)، وأبو داود (٢٦٩٠)، والترمذي (٣٠٨١)، وابن جرير في «تفسيره» (١٣/ ١٥٧٣٤) وغيرهم.
(٣) في «صحيحه» (٣٩٥٢).
(٤) انظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٢٤ - ٢٦) بتصرف.

<<  <  ج: ص:  >  >>