وفي الفرع الذي هو الأرز، فلا نشك في أن الشارع لما ذكر الأنواع التي تخرج منها وهي البر، والشعير، والزبيب، والأقط - وهو اللبن المخيض بعد تجفيفه - ما أراد هذه الأشياء لذاتها، وإنما ذكرها لما فيها من التغذية، فكل ما أشبهها في ذلك فهو مثلها، فهذا قياس الفرع على الأصل. أما قياس الفرع على الفرع، فهو أن يفتي شخص غير معصوم باجتهاده في مسألة لتحليل أو تحريم، فيجيء المقلد ويجد شيئًا مشابهًا لما أفتى به ذلك المجتهد فيقيسه عليه بلا دليل من الكتاب والسنة (١).
= هو مذهب المالكية، ولي عنه كلمة محررة؛ انظرها في «شرحي على الورقات» (٥٤٨ - ٥٥٣). (١) إن الاستنباط من كلام المجتهد على جانب من الضعف، فإن جاز الاستناد إليه فعلى قدر الضرورة مع وجوب الاحتياط، ويشتد الأمر إذا علمنا أن أكثر المسائل المدونة في كتب الفروع ليست من نص الإمام، ولا مستنبطة من نصه، بل كل متأخر يستنبط من كلام من قبله، ففي مذهب الشافعي - مثلًا - تجد دحلان يستنبط من كلام الباجوري، والباجوري يستنبط من كلام البجيرمي، والبجيرمي يستنبط من كلام الشبراملسي، والشبراملسي من كلام ابن حجر، وابن حجر من كلام الزركشي، والزركشي من كلام النووي، وهكذا .. ولعلك لا تصل إلى الإمام إلا بعشر درجات وأكثر! هذا مع أن كثيرًا من العلماء يبنون الأحكام على استحسانهم، ومنهم من غلب عليه الميل إلى بعض المبتدعة، وكثير منهم من كان يعتقد الولاية لكل من حكي عنه ضرب من الغرائب التي يسمونها كرامات، ويتعصب له، ويؤلف في فضائله، ويكاد يجعل أقواله براهين قطعية، ومنهم من كان يعرض له الميل إلى أهل الدنيا والتعصب لهم، ومنهم من كان بينه وبين علماء عصره منافسة تحمله على مخالفتهم، كما وقع في قضية الصلاة المبتدعة في ليلة أول جمعة من رجب، كما حكاه أبو شامة في «الباعث» (ص ٢٠٩ - بتحقيقي). وبالجملة فالعوارض المشككة في صحة أقوالهم كثيرة. وما مثل الشريعة إلا مَثَلُ ينبوع يخرج من جبل ويجري إلى مراحل كثيرة، وقد تكفل الملك بحفظ مجراه وتنظيفه ومنع اختلاط الأوساخ والأقذار والمياه المتغيرة به، وهناك سَوَاقٍ قد استقت منه، ويجري فيها من مائه إلى مراحل كثيرة أيضًا، ولكن الملك لم يتكفل بحفظها ولا حراستها؛ فهي مُعرَّضة لاختلاط الأقذار والأوساخ والمياه الرديئة والمتغيرة بمائها، وكثير من تلك السواقي قد عَظم وغزُر ماؤه، فمن الناس من يستقبل من تلك السواقي ساقية أو ساقيتين أو أكثر؛ فيملأ من مائها بحيرة، ومنهم من يتجشم السفر إلى المجرى الذي تكفل الملك بحفظه فيملأ جَرَّة أو جرتين أو ما قُسم له. والمقصود أن الاستنباط من المذاهب جائز بقدر الضرورة، فمن كان أهلًا للاستنباط واضطر إليه في مسألة، ولم يقدر على تحصيل ما هو أوثق منه، واحتاط بقدر إمكانه؛ فلا حرج عليه إن شاء الله وإن أخطأ، وكذلك من تبعه ولم يقدر على تحصيل ما هو أوثق من قوله، ومع ذلك احتاط بقدر الإمكان.