وهؤلاء الشركاء المذكورون في هذه الآية من الصنف الأول من (القسم الثاني)، وهم الذين يدعون الناس إلى عبادتهم أو يرضون بها، وذلك لقولهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ أما قولهم: ﴿تَبَرَأْنَا إِلَيْكَ﴾ فهو تبرؤ لا ينفعهم لأنهم في دار الجزاء.
وأما قولهم: ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ فإنه يحتمل وجهين: أحدهما: نتبرأ إليك اليوم من عبادتهم لنا في دار الدنيا. والثاني: إنهم كانوا يعبدون الشيطان الذي زين لهم عبادتنا، فإن كل عابد لغير الله هو عابد للشيطان كما قال تعالي: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١٧ - ١١٨] وقال تعالى في سورة يس: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠ - ٦١].
فائدة ثانية: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: هل قلتم لهم: سمعنا وأطعنا، أو قلتم: سمعنا وعصينا، فمن قال: سمعنا وأطعنا، فهم المسلمون، فإن قالوها ظاهرًا وباطنًا فهم المخلصون إذ نجوا من الرياء والسمعة، وهم السعداء الذين ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨]، وإن قالوها بألسنتهم دون قلوبهم وأعمالهم، فهم المنافقون والمتمذهبون المقلدون، إذا وجدوا حجة من كتاب الله أو سنة رسوله تخالف مذهبهم، أو تخالف ما وجدوا عليه آباءهم، رفضوا قبولها وأصروا على اتباع آبائهم وعادات بلادهم، فهم من المنافقين، وسيأتي الكلام على ذلك في (قسم توحيد الاتباع) إن شاء الله.
وقوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: لا يجدون جوابًا، فيكبتون حين يصرح الأئمة ببراءتهم منهم ويقولون: ﴿تَبَرَأْنَا إِلَيْكَ﴾ ما أمرناهم بتقليدنا ولا باتخاذ المذاهب والتعصب لها، وإنا كنا نأمر الناس باتباع كتابك وسنة نبيك يا رب، فيسقط في أيديهم ويندمون حين لا يفيد الندم.
فائدة ثالثة: قوله: ﴿عَسَى﴾ من الله موجبة يعني: إن الله وعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن يكونوا من المفلحين يوم القيامة، الذين فازوا بما أملوا، ونجوا مما خافوا، فإن قيل: فما فائدة التعبير بعسى؟ ولماذا لم يقل: فأولئك من المفلحين؟ فالجواب: والله أعلم أن فائدتها أن يكون العبد بين الخوف والرجاء، وأن لا يتكل على عمله، ولذلك كان كبار الصحابة يخافون على