كلامه: «الأفعال والتّروك - من حيث هي أفعال وتروك - متماثلة عقلًا بالنّسبة إلى ما يقصد بها؛ إذ لا تحسين للعقل ولا تقبيح»، وعلى الرّغم من مرور الشّاطبي على المسألة مرورًا سريعًا على خلاف ما يفعله المتكلمون والأصوليون؛ فإنّ التّأثير الأشعري باد على كلامه، قارن كلامه السّابق بقول الجويني في «الإرشاد» (ص ٢٥٩): «فليس الحسن صفة زائدة على الشّرع مدركة به، وإنّما هو عبارة عن نفس ورود الشّرع بالثّناء على فاعله، وكذلك القول في القبح، فإذا وصفنا فعلًا من الأفعال بالوجوب أو الحظر؛ فلسنا نعني بما نثبته تقدير صفة للفعل الواجب يتميز بها عما ليس بواجب، وإنّما المراد بالواجب الفعل الذي ورد الشّرع بالأمر به إيجابًا، والمراد بالمحظور: الفعل الذي ورد الشّرع بالنهي عنه حظرًا وتحريمًا». واقرأ له قوله في «الموافقات» أيضًا (٢/ ٥٣٤ - ٥٣٥ - بتحقيقي): « … كون المصلحة مصلحة تقصد بالحكم والمفسدة مفسدة كذلك مما يختص بالشّارع، لا مجال للعقل فيه، بناءً على قاعدة نفي التّحسين والتّقبيح، فإذا كان الشّارع قد شرع الحكم لمصلحة ما؛ فهو الواضع لها مصلحة، وإلا؛ فكان يمكن عقلًا أن لا تكون كذلك؛ إذ الأشياء كلها بالنّسبة إلى وضعها الأول متساوية لا قضاء للعقل فيها بحسن ولا قبح، فإذًا؛ كون المصلحة مصلحة هو من قبل الشّارع بحيث يصدقه العقل وتطمئن إليه النّفس». وهذا بالضبط هو كلام الجويني وغيره من أئمة الأشاعرة، ولهذا القول لوازم فاسدة قد التزموها وقالوا بها - خلافًا لمصنفنا السّلفي الهلالي لَهُ - منها كما يقول ابن القيم في «مفتاح دار السعادة» (٢/٤٢ - ٥٢): إنّه يجوز ظهور المعجزة على يد الكاذب، وأنّه ليس بقبيح، وأنّه يجوز نسبة الكذب إلى أصدق الصّادقين، وأنّه لا يقبح منه، وأنّه يستوي التّثليث والتّوحيد قبل ورود الشّرع، وأنّه لا يقبح الشّرك ولا عبادة الأصنام، ولا مسبة المعبود سبحانه، وأنّه لا يقبح الزّواج بالأم والبنت، وغير ذلك من اللّوازم التي انبنت على أنّ هذه الأشياء لم تقبح بالعقل، وإنّما جهة قبحها السّمْع فقط. وهذه كلها لوازم فاسدة تدل على فساد الملزوم، بل ويلزم على قولهم هذا أنّه يصح أن يأمر الله بالشّرك؛ فلا يكون قبيحًا، وبالزّنا والسّرقة والظّلم وسائر المنكرات؛ فلا يكون ذلك قبيحًا، ويجوز عندهم أن ينهى سبحانه عن التّوحيد والعفّة والصّدق والعدل؛ فتكون هذه كلها قبيحة، كما قال الإيجي في «المواقف» (٣٣٣): «ولو عكس القضية، فحسن ما قبحه وقبح ما حسنه؛ لم يكن ممتنعًا وانقلب الأمر». والقول الثّاني: وهو مذهب المعتزلة على اختلاف بينهم في التّفصيلات، وكثير من أصحاب أبي حنيفة، وهذا القول يقع في مقابل القول الأول؛ إذ الحسن والقبح عند هؤلاء عقليان، لا يتوقّف في معرفتهما وأخذهما عن الدّليل السّمْعي، ويجعلون الحسن والقبح صفات ذاتية للفعل لازمة له، ويجعلون الشّرع كاشفًا عن تلك الصّفات لا سببًا لشيء من الصّفات، ترى تفصيل ذلك في: «مجموع الفتاوى» (٨/ ٤٣١ و ١١/ ٦٧٧)، و «درء تعارض العقل والنّقل» (٨/ ٤٩٢)، و «مدارج السّالكين» (١/ ٢٣٨)، و «مفتاح دار