للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[فصل]

قال محمد تقي الدين فائدة التحسين والتقبيح فيما ينسب إلى الله من الصفات، وما ينفى عنه لا يكون إلا من طريق الشرع، أي: الكتاب والسنة، فما استحسنه الله تعالى ورسوله ، فهو الحسن، وإن لم تستحسنه عقول بعض الناس، وما استقبحه الله تعالى ورسوله، فهو القبيح وإن استحسنته عقول بعض الناس (١)،


(١) هذه المسألة لها جوانب اتفاق وافتراق بين العلماء.
أما محل الاتفاق؛ فالعقل يدرك الحسن والقبح فيما هو ملائم للطبع أو مضاد له، فإذا لاءم الغرض الطبع؛ فحسن؛ كاللذة والحلاوة، وإذا نافره؛ فهو قبيح؛ كالألم والمرارة، وهذا القدر معلوم بالحس والعقل والشرع، مجمع عليه بين الأولين والآخرين، بل هو معلوم عند البهائم.
أما محل الافتراق والتنازع؛ فهو في الحسن والقبح المتعلق بالشرع، بمعنى كون الفعل سببًا للذم والعقاب أو المدح والثواب، وهل يعلم ذلك بالعقل أو لا يعلم إلا بالشرع، أم يعلم بهما معًا؟ وحاصل أقوال الناس في هذه المسألة على سبيل الإجمال ثلاثة أقوال أساسية، هي:
القول الأول: وهو قول جهم والأشعري ومن تابعه من المنتسبين إلى السنة وأصحاب مالك والشافعي وأحمد؛ كالقاضي أبي يعلى، وأبي الوليد الباجي، وأبي المعالي الجويني وغيرهم، وهو قول عموم الأشاعرة، وحاصل هذا القول: «إن الأفعال لا تتصف بصفات تكون بها حسنة ولا سيئة ألبتة، وكون الفعل حسنًا أو سيئًا إنما معناه أنه منهي عنه أو غير منهي عنه، وهذه الصفة إضافية لا تثبت إلا بالشرع، أي: إنهم ينفون الحسن والقبح العقليين ويقولون: إن ذلك لا يعرف إلا بالشرع فقط، مع أنه من المحال أن يكون الدم والبول والرجيع مساويًا للخبز والماء والفاكهة ونحوها، وإنما الشارع فرق بينهما؛ فأباح هذا وحرم هذا مع استواء الكل في الأمر، وكذلك أخذ المال بالبيع والهبة والوصية والميراث، لا يكون مساويًا لأخذه بالقهر والغلبة والغصب والسرقة والجناية؛ حتى يكون إباحة هذا أو تحريم هذا راجعًا إلى محض الأمر والنهي المفرق بين المتماثلين … ».
إلا أن هذا هو مذهب الأشاعرة الذي يصرحون به في كتبهم الاعتقادية والأصولية؛ ففي «المواقف» يقول الأيجي: القبيح ما نهي عنه شرعًا والحسن بخلافه، ولا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها، وليس ذلك عائد إلى أمر حقيقي في الفعل يكشف عنه الشرع، بل الشرع هو المثبت له والمبين، ولو عكس القضية، فحسن ما قبحه وقبح ما حسنه؛ لم يكن ممتنعًا وانقلب الأمر».
وفي الإرشاد» (٢٢٨) للجويني: «العقل لا يدل على حسن شيء، ولا قبحه في حكم التكليف، وإنما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع وموجب السمع».
وهذا ما ردده المصنف وبه قال الشاطبي في الموافقات (٣/ ٢٨ - بتحقيقي) ونص =

<<  <  ج: ص:  >  >>