يُنذرهم بأس الله قبل حلوله بهم، فإن تابوا وأنابوا رفع عنهم، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: بين النذارة ظاهر الأمر واضحه، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ أي: اتركوا محارمه واجتنبوا مآئمه، وأطيعوني فيما أمركم به وأنهاكم عنه ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ (١) ذُنُوبَكُمْ﴾ أي: إذا فعلتم ما أمركم (٢) به وصدقتم ما أرسلت به إليكم غفر الله لكم ذنوبكم».
قال (ك): «﴿من﴾ ههنا بمعنى: عن تقديره يصفح لكم عن ذنوبكم، ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: يمد في أعماركم، ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تجتنبوا ما (٣) نهاكم عنه أوقعه بكم، وقد يستدل بهذه الآية من يقول: إن الطاعة والبر وصلة الرحم يزاد بها في العمر حقيقة كما ورد به الحديث: «صلة الرحم تزيد في العمر»(٤).
(١) غير موجودة في الأصل! (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أمرتكم». (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «تنزجروا عما». (٤) أخرجه بهذا اللفظ الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/ ٣٨٦) والديلمي في «مسند الفردوس» وابن عساكر في تاريخ دمشق - كما في «كنز العمال» (٣/ ٣٥٧) - من حديث ابن عباس ﵄. وأخرجه أحمد في «المسند» (٦/ ١٥٩)، والبيهقي في «الشعب» - كما في تخريج أحاديث «الكشاف» (ص ١٣٩) - من حديث عائشة ﵂ ضمن حديث طويل، وأخرجه مختصرًا دون الشاهد: عبد بن حميد (١٥٢٣)، وأبو يعلى (٤٥٣٠)، وابن عدي (٤/ ١٦٠٥)، والقضاعي (٤٤٤، ٤٤٦)، والبغوي (٣٤٩١)، وأبو نعيم (٩/ ١٥٩). وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٢٢٤) وتبعه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٥٣): «رواه أحمد ورواته ثقات إلا أن عبد الرحمن بن القاسم لم يسمع من عائشة»!! قلت: في مطبوع «المسند» بين عبد الرحمن وعائشة القاسم وسماعه من عائشة ثابت صحيح. وأصل الحديث في البخاري (٥٩٨٦)، و «مسلم» (٢٥٥٧) من حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه». وللحديث طرق أخرى عند الأصبهاني في «الترغيب» عن أبي سعيد، كما قال الحافظ في «الكافي الشاف» (ص ١٣٩). وللشوكاني رسالة بين فيها صحة هذا الاستدلال وهي تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل، وكذا فعل الشيخ مرعي الكرمي أيضًا في إرشاد ذوي العرفان لما للعمر من الزيادة والنقصان وكلاهما مطبوع بتحقيقي، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.