وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: بادروا بالطاعة قبل حلول النقمة، فإنه إذا أمر تعالى يكون (١) ذلك لا يرد ولا يمانع، فإنه العظيم الذي قد قهر كل شيء، العزيز الذي دانت لعزته جميع المخلوقات (٢).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ إلى قوله تعالى ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾.
قال (ك): «يخبر تعالى عن عبده ورسوله نوح (٣)﵇ أنه اشتكى إلى ربه ﷿ ما لاقى (٤) من قومه وما صبر عليهم في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلا خمسين عاما وما بين لقومه ووضح لهم ودعاهم إلى الرشد والسبيل (٥) الأقوم، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ أي: لم أترك دعاءهم في ليل ونهار (٦) امتثالا لأمرك وابتغاء لطاعتك.
﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ أي: كلما دعوتهم ليتقربوا (٧) من الحق فروا منه، وحادوا عنه، ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ أي: سدوا آذانهم لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه كما أخبر تعالى عن كفار قريش: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].
﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ أي: غطوا رؤوسهم لئلا يسمعوا ما يقول ﴿وَأَصَرُّوا﴾ أي: استمروا على ما هم فيه من الشرك والكفر العظيم الفظيع، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ أي: واستنكفوا (٨) عن اتباع الحق والانقياد له.
﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ أي: جهرت بين الناس ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ أي: كلاما ظاهرا بصوت عال ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ أي: فيما بيني وبينهم، فنوع عليهم الدعوة لتكون أنجع (٩) فيهم ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ أي:
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «بكون». (٢) انظر: تفسير ابن كثير (١٣/ ١٣٨ - ١٣٩) بتصرف. (٣) في الأصل: «عن نوح»! (٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «لقي». (٥) كذا في مطبوع تفسير ابن كثير، وفي الأصل: «إلى السبيل». (٦) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «ولا نهار». (٧) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «ليقتربوا». (٨) في الأصل: «استنكفوا». وبإثبات الواو في أوله في «تفسير ابن كثير». (٩) كذا في مطبوع تفسير ابن كثير وفي الأصل: «أنجح»!