وإنظار لا إكرام، ولهذا قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ أي: عظيما باتباعهم في تسويلهم لهم أنهم على الحق، والحق (١) كما يقولون لهم يوم القيامة: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [سبأ: ٣٣] ولهذا قال ههنا: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله.
قال البخاري بسنده عن ابن عباس: «صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب تعبد: أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع: فكانت لهذيل، وأما يغوث: فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق: فكانت لهمدان، وأما نسر: فكانت لحمير لآل ذي كلاع، وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح ﵇، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إذ هلك أولئك وتنسخ (٢) العلم عبدت» (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ يعني: الأصنام التي اتخذوها أضلوا بها خلقا كثيرا، فإنه استمرت عبادتها في القرون إلى زمننا هذا في العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم، وقد قال الخليل ﵇ في دعائه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ دعاء منه على قومه لتمردهم وكفرهم وعنادهم، كما دعا موسى على فرعون وملئه في قوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] وقد استجاب الله لكل من النبيين في قومه، وأغرق أمته بتكذيبهم لما جاءهم به (٤).
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «والهد». (٢) كذا في «صحيح البخاري» و «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «نسخ». (٣) أخرجه البخاري (٤٩٢٠). (٤) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٣/ ١٤٢ - ١٤٤) بتصرف.