للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أن نفس أبدان الموتى خرجت تكلّمهم، وأن روح الموتى تجسدت لهم فرأوها كما رآهم النبي ليلة المعراج.

والمقصود أن الصحابة لم يكونوا يعتادون الصلاة والسلام عليه عند قبره، كما يفعله من بعدهم من الخلوف، وإنما كان بعضهم يأتي من خارج فيسلم عليه (١) إذا قدم من سفره كما كان ابن عمر يفعله، قال عبيد الله بن عمر عن نافع: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ، فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه ثم ينصرف (٢). قال عبيد الله: ما نعلم أحدًا من أصحاب النبي فعل ذلك إلا ابن عمر، وهذا يدل على أنه لا يقف عند القبر للدعاء إذا سلم كما يفعله كثير.

قال شيخ الإسلام : لأن ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة فكان بدعة محضة (٣). وفي (المبسوط): قال مالك: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ، ولكن يسلم ويمضي. ونص أحمد أنه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره (٤).

وبالجملة، فقد (٥) اتفق الأئمة على أنه إذا دعا لا يستقبل القبر، وتنازعوا هل يستقبله عند السلام عليه أم لا؟ (٦).

وفي الحديث دليل على منع شد الرحال إلى قبره وإلى غيره من القبور والمشاهد، لأن ذلك من اتخاذها أعيادًا بل من أعظم أسباب الإشراك بأصحابها،


(١) من مطبوع «الفتح» وسقطت من الأصل.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٦٧٢٤) وابن بطة في «الإبانة» بإسناد صحيح، كما في «الاقتضاء» (٢/ ٦٦٣)، وسعيد بن منصور في «السنن»، كما في «الاقتضاء» أيضًا (٢/ ٧١٨)، ومالك في «الموطأ» (باب الصلاة، رقم ٢٤٤ - رواية يحيى، ورقم ٥٠٦ - رواية أبي مصعب الزهري، وص ١٤٥ - رواية سويد ص ٣٣٤ - رواية محمد بن الحسن)، وعنه القاضي إسماعيل في «فضل الصلاة على النبي » رقم (٩٨) بغير هذا اللفظ ولفظ يحيى بن يحيى مُعلّ، بسط ذلك ابن القيم في «جلاء الأفهام» (ص ٥٦١ - ٥٦٢، ٦٤٩، ٦٥٨ - ٦٦١ - بتحقيقي)، وانظر - لزامًا -: «الاستذكار» (٦/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، و «التمهيد» (١٧/ ٣٠٤)، و «البيان والتحصيل» (١٨/ ٦٠٤) لابن رشد، و «الصارم المنكي» (١١٢).
(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٣٩٦).
(٤) كذا في مطبوع «الفتح»، وفي الأصل: «يستدبرها».
(٥) في مطبوع «الفتح»: «فقد».
(٦) انظر: «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٣٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>