وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام، وقلَّ العلماء وغلب السفهاء وتفاقم الأمر واشتد البأس و ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين» (١).
قلت: فإذا كان هذا في القرن السابع وقبله فما بعده أعظم فسادًا كما هو الواقع، وقال الحافظ: «وقد ظهر مصداق ذلك في زمن رسول الله (٢)ﷺ فخرج مسيلمة الكذاب باليمامة، والأسود العنسي باليمن، وفي خلافة أبي بكر طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح في بني تميم (٣)، وقتل الأسود قبل أن يموت النبي ﷺ وقتل مسيلمة في خلافة أبي بكر قتله وحشي قاتل حمزة يوم أحد، وشاركه في قتل مسيلمة يوم اليمامة رجل من الأنصار (٤)، وتاب طليحة ومات على الإسلام في زمن عمر ﵁، ونقل أن سجاح تابت أيضًا، ثم خرج المختار بن أبي عبيد الثقفي وغلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير وأظهر محبة أهل البيت ودعا الناس إلى طلب قتلة الحسين فتتبعهم فقتل كثيرًا ممن باشر ذلك، وأعان عليه فأحبه الناس، ثم ادعى النبوة وزعم أن جبريل ﵇ يأتيه، ومنهم الحارث الكذاب (٥)، خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتل وخرج في خلافة بني العباس جماعة، وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقًا، فإنهم لا يحصون كثرة لكون غالبهم تنشأ دعوته (٤) عن جنون أو سوداء، وإنما المراد من قامت له شوكة وبدا له شبهة كمن وصفنا، وقد أهلك الله تعالى من وقع له (٤) منهم ذلك، وبقي منهم من يلحقه بأصحابه وآخرهم الدجال الأكبر» (٦).
قوله:«وأنا خاتم النبيين»، قال الحسن، الخاتم (٧): الذي ختم به، يعني (٨):
(١) بعدها في مطبوع «الفتح»: «انتهى ملخصًا»، أي: من كلام ابن القيم في «الزاد». (٢) في مطبوع «الفتح»: «النبي». (٣) انظر أخبار هؤلاء - بالترتيب - في: «المتنبئون نشأتهم أصولهم نهايتهم» (٢٨، ٢٢، ٢٦، ٣٢)، وعقيدة ختم النبوة (١٧٥، ١٧٤، ١٧٥، ١٨١). (٤) غير موجود في مطبوع «الفتح». (٥) هو ابن سعيد، وكان مولى لابن الجلاس. انظر أخباره في: «تلبيس إبليس» (٤٢٩)، «البداية والنهاية» (٩/ ٢٨)، «المتنبئون» (١٣٧)، «عقيدة ختم النبوة المحمدية» (٢٢٨). (٦) انظر: «فتح الباري» (٦/ ٦١٧). (٧) في مطبوع «الفتح»: «خاتم». (٨) في مطبوع «الفتح»: «أي».