مَعِيشَةً ضَنكًا أي: ضنكًا في الدنيا فلا طمأنينة ولا انشراح (١)، بل صدره ضيق (٢) لضلاله، فمهما تنعم من نعم الدنيا فإن قلبه لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو دائمًا في قلق وحيرة وشك وفي الآخرة ينتظر عذاب القبر ثم عذاب النار، وروى البزار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله ﷿: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ قال: «المعيشة الضنك الذي قال الله أنه يسلط عليه تسعة وتسعين حية ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة»(٣). وقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ قال عكرمة: «عمي عليه كل شيء إلا جهنم»، ويحتمل أن يكون المراد أنه يبعث أو يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضًا كما قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ … ﴾ [الإسراء: ٩٧] الآية ولهذا يقول: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ أي: في الدنيا ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ أي: لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها ﴿وَكَذَلِكَ﴾ (٤).
(١) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «لصدره». (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «حرج». (٣) ذكره ابن رجب في «أهوال القبور» (٣٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٠٨)، والزبيدي في «إتحاف السادة المتقين» (١٠/ ٤١٩)، والصنعاني في «جمع الشتيت» (٤٣)، وعزوه إلى ابن أبي الدنيا في «الموت»، وزادوا عزوه إلى الحكيم في «النوادر»، وأبي يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والآجري، وابن منده، والبيهقي. قلت: أخرجه ابن أبي الدنيا في «ذكر الموت» (رقم ٢٦٢ - بتجميعي)، وأبو يعلي (٦٦٤٤)، وابن جرير في «التفسير» (١٦/ ٢٢٨)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (٧/ ٢٤٣٩) رقم (١٣٥٦٤)، وابن حبان (٨٧١ - «موارد»)، والبيهقي في «إثبات عذاب القبر رقم (٨٠) من طريق ابن وهب، ثنا عمرو بن الحارث أن أبا السمح حدثه عن ابن حجيرة عن أبي هريرة رفعه. قال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ٥٥): وفيه دراج، وحديثه حسن، واختلف فيه». قال ابن كثير في تفسيره (٤/ ٥٤٤): «رفعه منكر جدًا». وله شواهد خرجتها في تعليقي على التخويف من النار لابن رجب، يسر الله إتمامه بخير وعافية، ولعل شيخنا الألباني ﷺ حسنه من أجلها في «التعليقات الحسان» (٥/ ١٠٢ - ١٠٣). وانظر: «مسند أبي يعلى» (١٣٢٩)، و إثبات عذاب القبر للبيهقي رقم (٦٩، ٧٠، ٧٩)، والخبر في «القبور» لأبي أبي الدنيا (رقم ٢٥٢، الملحق - بتحقيقي). (٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «كذلك».