بقتالكم عما هم فيه من الكفر فكفوا (١) وإن لم تعلموا بواطنهم. وفي «الصحيح (٢) أن رسول الله ﷺ قال لأسامة لما علا ذلك الرجل بالسيف فقال: لا إله إلا الله، فضربه فقتله فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال لأسامة:«أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ وكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة؟» فقال: يا رسول الله، إنما قالها تعوذًا، قال:«شققت عن قلبه؟» وجعل يقول ويكرر عليه: «من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة». فقال أسامة: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ» (٣).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: اعلم - وفقني الله وإياك لمعرفة الحق والتمسك به - أن لا إله إلا الله لا تنفع أحدًا إلا إذا قالها وهو عالم بمعناها وعامل بمقتضاها، ولعلك لم تنس حديث أبي واقد الليثي الذي قال فيه النبي ﷺ: «قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨](٤). وقد تقدم الكلام على ذلك مستوفى في سورة الأعراف عند قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وأطلت الكلام فيه، فمن يقول: لا إله إلا الله، وينادي بأعلى صوته: يا رسول الله أغثني، يا علي يا فلان يا فلان، فإذا قلت له: وحد الله بدعائك، صاح عليك أنت وهابي، تبغض النبي وتبغض الأولياء، فهل هذا وأمثالهم تنفعهم لا إله إلا الله، كلا والله.
[فصل]
اعلم أيضًا أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ كعبد الله بن عمر ﵃ لم يروا القتال مع علي ولا مع عثمان اجتهادًا منهم، والصواب الذي لا شك فيه ما ذهب جمهور الصحابة من قتال البغاة الخارجين على أئمة الحق، لقول الله تعالى في سورة الحجرات: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] الآية، فقتال
(١) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «عنهم». (٢) أخرجه البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦). (٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٧/ ٧٦ - ٧٨) بتصرف. (٤) سبق تخريجه.