كل مكان، وفي كل وقت، هو الله وحده لا شريك له، والذي يغني أي: ينفع ويضر هو الله وحده لا شريك له، فمن عبد غيره فهو خاسر في الدنيا والآخرة.
الثالثة: المراد بالعلم هنا هو الوحي، فإن الله أوحى إلى خليله إبراهيم وعلمه التوحيد وأمره بالدعوة إليه، فمن جاءه الوحي وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فهو حجة عليه، سواء أكان الذي جاء به صغيرًا في السن أو كبيرًا، متقدمًا في الزمان أو متأخرًا، والمشركون الأولون والآخرون يخالفون هذا، فالأولون قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] وقالوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٧، ٨] وقالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، وأمر الله رسوله ﷺ أن يقول: ﴿إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥] وقال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣، ٤٤]، والمشركون والمبتدعون المتأخرون يقولون مثل ذلك: لم نزل نرى العلماء ونسمع حديثهم، وما أحد منهم قال لنا: لا تبنوا القباب على قبور الصالحين، ولا تذبحوا لهم، ولا تنذروا لهم، ولا تستغيثوا بهم، ولا تقيموا لهم مواسم وأعيادًا، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧] فأشبه المشركون المتأخرون المشركين المتقدمين في أقوالهم وأفعالهم وعداوتهم للتوحيد واتباع السنة، كما قال تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨].
الرابعة: إن كل من عبد غير الله تعالى فهو عابد للشيطان، ولو عبد الملائكة والأنبياء.
الخامسة: إن كل من أصر على الشرك يمسه عذاب من الرحمن في كل زمان ومكان، ولا يجد لنفسه وليًا ولا نصيرًا.
السادسة: إن المشركين في كل زمان ومكان إذا رأوا إمامًا مصلحًا يدعوهم إلى توحيد الله تعالى وترك عبادة آلهتهم وقال لهم: إن الهتكم لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع دعاءكم ولا تستجيب لكم، ولو سألتموها شربة ماء ما قدرت أن تعطيكم قطرة واحدة، قالوا: هذا يسب آلهتنا وينتقصها، كما قال أبو إبراهيم لإبراهيم، وكما قالت قريش لمحمد رسول الله ﷺ، وكما يقول المشركون اليوم إذا قيل لهم: هذه القباب التي بنيتموها على القبور وصرتم تعبدونها بالذبح والنذر.