للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وبعد ذلك بقليل استولى الملك عبد العزيز بن سعود على الحجاز، ولما حججت الحجة الثانية، سنة ١٣٤٥ هـ، أنزلني الملك عبد العزيز - رحمة الله عليه - في دار الضيافة، فبحثت عن ذلك الرجل الفلالي، فوجدته ودعوته إلى دار الضيافة الخاصة بي، فتغدى معي، فعرف حينئذ أنه لما كان ينصحني كان مخطئًا مغفلًا، فسكت وكتم ما في نفسه.

فلما تغدينا ذهبنا إلى المسجد الحرام، فوجدنا الشيخ عبد الظاهر أبا السمح (١) جالسًا على الحصباء، وهو إمام المسجد الحرام وخطيبه، وسلمت عليه وجلست معه، فلما جلس رفيقي قال: يا رسول الله!! فقال الشيخ عبد الظاهر: قل: يا الله، فقال: ما أقول: إلا يا رسول الله، يا رسول الله، يا رسول الله، اقطع رأسي إن قدرت، أنا قلت: يا رسول الله أمام الأمير محمد أخي الملك عبد العزيز، ثم التفت إليَّ، وقال: هذا الشر كله ما أصابني إلا بسببك! لا أرافقك أبدًا! فتبعته وصرت أتلطف معه لعل الله أن يهديه فهرب ولم أره بعد ذلك.

وحدثني الشريف محمد من أهل مكة في تلك السنة نفسها سنة ١٣٤١، قال لي: كنت مسافرًا من المدينة إلى مكة، وكان صاحب البعير الذي أركبه نجديًا وهابيًّا، فركب خلفي ليستريح فتنهدت وقلت: يا رسول الله، فلطمني لطمة أفقدتني صوابي وكدت أسقط من ظهر البعير، وقال لي: يا حمار ما تقول: يا الله؟! قال: فسكت على مضض.

ولما وصلت إلى مكة ودخلت بيتي تركته على الباب ينتظر الكراء، فجاءني أولادي يسلمون علي، فقلت لهم: يا أولادي! إنَّ هذا النجدي الذي عند الباب لطمني لطمة ما أصبت بمثلها في عمري كله، لا معلم المكتب، ولا والدي، ولا أحد لطمني مثل تلك اللطمة، فأحضروا عصيًّا، وقالوا له: ادخل، فلما دخل ضربوه حتى طاب خاطري وكففتهم عنه، فقلت له: أيها الشرقي، هذا جزاء اللطمة التي لطمتني.

وينبغي أن أنبه هنا على أن ذلك الأخ النجدي مع حسن نيته ارتكب خطأ، فهو يعلم أن الملك حسينًا كان يعادي أهل نجد، وقد منعهم من الحج اثنتي عشرة سنة، فكان ينبغي له أن يتلطف مع ذلك الرجل، ويقول له: يا أخي صل.


(١) نشر العلامة الهلالي في مجلته لسان الدين السنة الأولى، الجزء السادس، محرم ١٣٦٥ هـ - دسمبر ١٩٤٦ م (ص ١٥ - ١٩) مقالة عن صديقه عبد الظاهر، وهي بعنوان (لمحة من ترجمة الأستاذ أبي السمح إمام الحرم المكي)، وهي مودعة في كتابي «مقالات الهلالي» يسر الله نشره بخير وعافية.

<<  <  ج: ص:  >  >>