للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأولادها، وكل من عبد غير الله محروم من نعمة العقل، وقد ذكر المفسرون في هذه القصة أشياء كثيرة من الخوارق، ونقل الرازي في «تفسيره» عن أبي مسلم إنكار ذلك، وإنكاره ينحصر في أمور (١):

الأول: إن عجل السامري لم تكن فيه حياة، والخوار كان يسمع بسبب دخول الريح من منافذه وخروجها.

والثاني: إن قول السامري: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾، ليس معناها أنه أخذ قبضة من تراب حافر فرس جبريل، وإنما هي قبضة معنوية من شريعة الرسول موسى ، ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ تركتها وكفرت بها، وعلل ذلك بعلل تركت ذكرها اختصارًا.

الثالث: إن قوله: ﴿لَا مِسَاسَ﴾ يعني: أن موسى السامري حرمه الله من مخالطة الناس عقابًا له في الدنيا وعذاب الآخرة أكبر، وختمت الآيات بقول هارون: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فلا خير في إله لا يتكلم ولا يعلم، والمعتزلة والمتأخرون من الأشعرية، ينفون الكلام عن الله تعالى وخطؤهم في ذلك واضح، وقد اتفقت الفرقتان على أن القرآن ليس كلام الله، ثم تفرقتا في تأويل ذلك، فقالت المعتزلة: القرآن حروف وأصوات خلقها الله في الهواء، وقالت الأشعرية: القرآن حروف وأصوات تصدر من الناس، وتدل على معنى الكلام النفسي الذي ليس فيه حرف ولا صوت، وهذا الكلام النفسي شيء اخترعوه لا وجود له في الحقيقة، وقد شبهوا كلام الله بحديث النفس الذي يخطر في بال الإنسان، ويدور في خلده قبل أن يتكلم به، وهذا لا يسمى كلامًا إلا بقرينة، كأن يقول الرجل: قلت في نفسي.

والقرآن والحديث صريحان في نفي هذا الباطل، وأما القرآن: فقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ فكلام الله هنا هو القرآن، وإنما يسمعه ذلك المستأمن من لسان الرسول وأما الحديث، فقول النبي : «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان» (٢). فبطل ما زعموه والله الحمد.


(١) انظر: «تفسير الرازي» (٢٢/ ٩٦ - ٩٨) بتصرف.
(٢) أخرجه البخاري (٧٥١٢)، ومسلم (١٠١٦) من حديث عدي بن حاتم.

<<  <  ج: ص:  >  >>