[و](١) كيف كان حالكم معهم؟ وهذا كما يسأل العبد في قبره: من ربك؟ ومن نبيك، وما دينك؟ فأما المؤمن؛ فيشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأما الكافر فيقول: هاه هاه، لا أدري (٢)، ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت، لأن ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢]، ولهذا قال تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، وقال مجاهد: فعميت عليهم الحجج فهم لا يتساءلون بالأنساب، وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أي: في الدنيا ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿وَعَسَى﴾ من الله موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنته (٣) لا محالة».
وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ إلى قوله: ﴿يُرْجَعُونَ﴾: قال: «يخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار، وأنه ليس له في ذلك منازع، ولا معقب قال (٤) تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ أي: ما يشاء، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده، ومرجعها إليه.
وقوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ نفي على أصح القولين، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وقد اختار ابن جرير (٥)، أن ما ههنا بمعنى: الذي، تقديره: ويختار الذي لهم خيرة، وقد احتج بهذا المسلك طائفة المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح (٦)، والصحيح أنها نافية، كما نقله ابن أبي حاتم عن ابن عباس (٧) وغيره أيضًا، فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق، والتقدير، والاختيار، وأنه
(١) غير موجود في مطبوع «تفسير ابن كثير». (٢) سيأتي الحديث بطوله في (٥/ ١٢٧)، (٦/ ١٠، ١٢١، ١٦٨) وهناك تخريجه. (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «ومنه». (٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «فقال». (٥) انظر: «تفسيره» (١٨/ ٢٩٩ - ٣٠٠). (٦) انظر مذهبهم في: «شرح الأصول الخمسة» (٥٢٣ - ٧٧٩)، «المغني في أبواب التوحيد والعدل» (١٤/ ٤٧)، وانظر مناقشتهم في: «المسائل الاعتزالية في تفسير الكشاف» (١/ ١٩١ - ٢٩٢، ٢١٢، ٤١٣، ٤١٢). (٧) يشير إلى قصة، أخرجها عبد الرزاق (٣٩٧٥)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (٩/ ١٧٦٨٨)، والبيهقي (٢/ ٤٥٣) يستفاد منها أن رأي ابن عباس في (ما) أنها نافية، وعزاها السيوطي في «الدر المنثور» (١٢/ ٥١) لابن مردويه أيضًا.