للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

رَبِّكَ ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٧، ٨٨]

قال (ك): ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾، أي: لا تتأثر لمخالفتهم لك، وصدهم الناس عن طريقك ولا تبال (١) فإن الله معل كلمتك، ومؤيد دينك، ومظهر ما أرسلك به على سائر الأديان، ولهذا قال: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي: إلى عبادة ربك وحده لا شريك له: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا تليق العبادة إلا له، ولا تنبغي الإلهية إلا لعظمته.

وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]. فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ههنا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا إياه، وقد ثبت في «الصحيحين (٢) من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل» (٣)

وقال مجاهد والثوري في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا ما أريد به وجهه، وحكاه البخاري في صحيحه» كالمقرر له (٤).

قال ابن جرير (٥): ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر (٦): أستغفر الله ذنبًا لستُ مُحصِيهُ … رَب العباد إليه الوَجْهُ والعمل

وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال أنها


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «ولا تلوي على ذلك ولا تباله».
(٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «الصحيح».
(٣) أخرجه البخاري (٣٨٤١)، ومسلم (٢٢٥٦).
(٤) سيأتي تخريجه.
(٥) في «التفسير» (١٨/ ٣٥٣ - ٣٥٤).
(٦) البيت في معاني القرآن للفراء (٢/ ٣١٤) وهو في «خزانة الأدب» (٣/ ١١١)، وقال: «وهذا البيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها»، قلت: وهو في «الكتاب» (١/ ٣٧) لسيبويه.

<<  <  ج: ص:  >  >>