قال (ك): ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾، أي: لا تتأثر لمخالفتهم لك، وصدهم الناس عن طريقك ولا تبال (١) فإن الله معل كلمتك، ومؤيد دينك، ومظهر ما أرسلك به على سائر الأديان، ولهذا قال: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي: إلى عبادة ربك وحده لا شريك له: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا تليق العبادة إلا له، ولا تنبغي الإلهية إلا لعظمته.
وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]. فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ههنا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا إياه، وقد ثبت في «الصحيحين (٢) من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل» (٣)
وقال مجاهد والثوري في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا ما أريد به وجهه، وحكاه البخاري في صحيحه» كالمقرر له (٤).
قال ابن جرير (٥): ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر (٦): أستغفر الله ذنبًا لستُ مُحصِيهُ … رَب العباد إليه الوَجْهُ والعمل
وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال أنها
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «ولا تلوي على ذلك ولا تباله». (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «الصحيح». (٣) أخرجه البخاري (٣٨٤١)، ومسلم (٢٢٥٦). (٤) سيأتي تخريجه. (٥) في «التفسير» (١٨/ ٣٥٣ - ٣٥٤). (٦) البيت في معاني القرآن للفراء (٢/ ٣١٤) وهو في «خزانة الأدب» (٣/ ١١١)، وقال: «وهذا البيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها»، قلت: وهو في «الكتاب» (١/ ٣٧) لسيبويه.