قال (ك): «يخبر تعالى أنه ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ بمعنى: يأخذ منه في النهار فيطول ذاك ويقصر هذا، وهذا يكون زمن الصيف يطول النهار إلى الغاية ثم يشرع في النقص، فيطول الليل ويقصر النهار. وهذا يكون في الشتاء.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قيل: إلى غاية محدودة، وقيل: إلى يوم القيامة، وكلا المعنيين صحيح، وقال ابن أبي حاتم بسنده (١) عن ابن عباس أنه قال: «الشمس بمنزلة الساقية، تجري في السماء بالنهار في فلكها، فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها، وكذلك القمر». إسناده صحيح.
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ كقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحج: ٧٠] ومعنى هذا أنه تعالى الخالق العالم بجميع الأشياء، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١٢].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ أي: إنما يظهر لكم آياته لتستدلوا بها على أنه الحق أي: الموجود الحق، الإله الحق، وأن كل ما سواه باطل، فإنه الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، لأن كل ما في السموات والأرض، الجميع خلقه وعبيده، لا يقدر أحد منهم على تحريك ذرة إلا بإذنه، ولو اجتمع كل أهل الأرض على أن يخلقوا ذبابًا لعجزوا عن ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ أي: ﴿الْعَلِيُّ﴾ الذي لا أعلى منه، ﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي هو أكبر من كل شيء، فكل شيء خاضع حقير بالنسبة إليه.
(١) عزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٢٢) إلى ابن إسحاق، وابن جرير وابن أبي حاتم، وهو ليس في مطبوع «تفسير ابن جرير» عند هذه الآيات، وهو ساقط من مطبوع «تفسير ابن أبي حاتم»، وأورد ابن كثير (١١/ ٧٩) إسناده، وقد صححه! ووجدته في «الهيئة السنية» رقم (١٩١) للسيوطي، ولم يعزه إلا إلى ابن أبي حاتم، ثم وقفت على إسناد ابن أبي حاتم، فأخرجه من طريقه أبو الشيخ في «العظمة» (٤/ ١١٥٠ - ١١٥١) رقم (٦٣٠) وإسناده رجاله ثقات، إلا أن أبا صالح كاتب الليث كثير الغلط، وكانت فيه غفلة.