للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال البيضاوي: «﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ غاية لمفهوم الكلام من أن ثم توقفا وانتظارا للإذن، أي: يتربصون فزعين، حتى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين، والمشفوع لهم بالإذن، وقيل: الضمير للملائكة، وقد تقدم ذكرهم ضمنا، ﴿قَالُوا﴾ قال بعضهم لبعض: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ في الشفاعة ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ قالوا: قال القول الحق، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى، وهم المؤمنون، وقرئ بالرفع (١) أي: مقوله الحق، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ذو العلو والكبرياء، ليس لملك ولا لنبي من الأنبياء أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه» (٢).

[فصل]

قال محمد تقي الدين: في هاتين الآيتين إرشاد عظيم لمن نور الله قلبه ولم يمنعه اتباع الهوى عن قبول الحق، وحجة دامغة لأهل الباطل، فقد نفى الله فيها أربعة أمور:

الأول: إن الآلهة الذين يعبدهم المشركون سواء أكانوا ملائكة أم أنبياء أم صالحين أم تماثيل أم أوثانا لا يملكون من الخير ما يزن نملة صغيرة، لا في السموات ولا في الأرض استقلالا.

الأمر الثاني: إنهم لا يملكون مثقال ذرة على وجه الشركة مع الله تعالى.

الأمر الثالث: إن الله تعالى ليس له معين من خلقه.

الأمر الرابع: وهو آخر ما يؤمله المؤمل الشفاعة، فإن الله لا يشفع عنده أحد لأحد إلا إذا أذن للشافع ورضي عقيدة المشفوع له. اهـ.

والشفاعة عند الله تعالى ليست كشفاعة المخلوقين بعضهم عند بعض، فالملك والأمير وإن كبر شأنه لا بد أن يكون عنده من يخافه ويستحيي منه، كالوالدين والزوجة والأولاد وكبار رجال الدولة، فهؤلاء إذا أرادوا أن يشفعوا عنده لا يحتاجون إلى استئذان لما لهم عنده من المنزلة. فهذه هي الشفاعة التي نفاها الله، وينبغي أن نعيد هنا الحديث الذي في «الصحيح»، وهو قول النبي : «ليرفعن أقوام منكم إلي، وأنا على الحوض، ثم ليختلجن دوني، فأقول: إلى أين؟


(١) هذا قراءة ابن أبي عبلة، انظر: «البحر المحيط» (٧/ ٢٧٩)، «معاني القرآن» (٢/ ٣٦٢) للفراء، «مشكل إعراب القرآن» (٢/ ٢٠٩)، «معاني القرآن» (٤/ ٢٥٣) للزجاج.
(٢) انظر: «تفسير البيضاوي» (٢/ ٢٦٠ - ٢٦١) بتصرف.

<<  <  ج: ص:  >  >>