التمر، أي: لا يملكون من السموات والأرض شيئًا، ولا بمقدار هذا القطمير، ثم قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾؛ يعني: الآلهة التي تدعونها من دون الله لا تسمع (١) دعاءكم (٢) ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ أي: لا يقدرون على [شيء مما](٣) تطلبونه منهم، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي: يتبرؤون منكم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦] وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢] وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي: ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه مثل خبير بها، قال قتادة: يعني نفسه ﵎، فإنه أخبر بالواقع لا محالة» (٤).
[فصل]
قال محمد تقي الدين فائدة: ذكر الله سبحانه قبل هاتين الآيتين أدلة متعددة على توحيد الربوبية، بدأها بقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [فاطر: ١١]، وختمها بأولى هاتين الآيتين، ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ ثم أخبر ﷾ أن جميع المدعوين من الملائكة والأنبياء والصالحين وتماثيلهم وآثارهم، لا يملكون لمن دعاهم شيئًا ولو قطميرًا، فإذا كانوا لا يملكون القطمير وهو غلاف رقيق يكون على ظهر نواة التمر أبيض فكيف يملكون نواة؟ فكيف بالتمرة؟ وإذا كانوا لا يملكون شيئًا، فدعاؤهم في غاية الجهل والضلال والسفاهة، ولو أمن الداعي من عذاب الله، كيف وهو مع خسارته في سعيه ينتظر عذاب الله، ثم أخبر ﷾ أن أولئك المدعوين لا يسمعون دعاء الداعي أبدًا؛ لأن الذي يسمع كل نداء هو الله وحده، ولأن أولئك المدعوين غافلون عن دعاء الداعي، فالملائكة غافلون لاشتغالهم بعبادة الله تعالى، والصالحون غافلون عنهم لاشتغالهم بالنعيم، هذا لو كانت لهم القدرة
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «يسمعون». (٢) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «لأنها جماد لا أرواح فيها». (٣) بدلها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «ما». (٤) انظر: «تفسير ابن كثير» (١١/ ٣١٥) بتصرف، وأثر قتادة أخرجه ابن جرير (١٩/ ٣٥٢)، وعزاه في «الدر المنثور» (٥/ ٢٤٨) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.