فيكون منا إليه شيء فتعيّرنا به العرب، يقولون: تركوه حتى إذا مات عنه تناولوه، فبعثوا رجلًا منهم يقال له: المطلب، فاستأذن لهم على أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم يستأذنون عليك قال: أدخلهم، فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه، قال: فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتنا (١) ويدعوك والهك، قال ﷺ:«يا عم أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟» قال: وإلام تدعوهم؟ قال ﷺ:«ادعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم» فقال أبو جهل لعنه الله من بين القوم: ما هي وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها، قال ﷺ: «تقولون: لا إله إلا الله فنفروا وقالوا: سلنا غيرها (٢) قال ﷺ: لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها» فقاموا من عنده غضابًا وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي أمرك بهذا، ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ (٣).
وقولهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾، أي: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ أي: في دين قريش، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ أي: كذب، وقولهم: ﴿أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ يعني: إنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كلهم، كما قالوا في الآية الأخرى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]. قال الله تعالى: ﴿أَهُمْ
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «آلهتهم». (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير: فنفر وقال: سلنا غير هذا». (٣) أخرج هذه القصة: أحمد (١/ ٢٢٧)، والترمذي (٣٢٣٢)، والنسائي في «الكبرى» (١١٤٣٦)، وابن حبان (٩/ ٣٧٣) رقم (٦٦٥١ - «التعليقات الحسان»)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٣/ ٢١١ - ٢١٢) رقم (٣٧٥٦١)، وأبو يعلى (٢٥٨٣)، وابن جرير في «التفسير» (٢٠/ ٢٠)، وفي «التاريخ» (١/ ٥٤٤، ط. الكتب العلمية)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (١٠/ ٣٢٣٥) رقم (١٨٣٢٦)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٢٤٦)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦٦/ ٣٢٢) وإسنادها ضعيف، فيه يحيى بن عمارة، ويقال: يحيى بن عباد، تفرد به عن الأعمش، فهو في عداد المجاهيل، وفصلت في تخريجه في تعليقي على «أدلة معتقد أبي حنيفة في أبوي الرسول ﵊» (ص ١٧ - ٢٠) لعلي القاري، وضعفه شيخنا الألباني.