أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢]. ولهذا لما قالوا هذا الذي دل على جهلهم، وقلة عقلهم في استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم، قال تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أي: إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا إلى حين قولهم ذلك عذاب الله تعالى ونقمته، سيعلمون غب ما قالوا وما كذبوا به يوم يدعون إلى نار جهنم دعا (١). اهـ.
[فصل]
قال محمد تقي الدين: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، أقسم الله تعالى بالقرآن وهو كلامه ووصفه بقوله سبحانه: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: التذكير لأنه يذكر كل غافل، ويعلم كل جاهل، ويهدي كل ضال إلا من أبى واستكبر وكان من الكافرين وأعرض عن القرآن واستبدل به الشرائع الأرضية فإنه يخسر دنيا وأخرى. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]، فيجتمع له شقاء الدنيا وشقاء الآخرة.
فائدة ثانية: قولهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ هو قول المشركين في كل زمان ومكان، ومنهم المشركون في هذا الزمان، فإنهم إذا قيل لهم: لا تستغيثوا إلا بالله، ولا تدعوا لجلب الخير ودفع الشر إلا الله، غضبوا وقالوا: إن الله أولياء، لا يحصل لأحد خير إلا بواسطتهم، وهذا افتراء على الله، فالمؤمنون الصادقون ليس لهم إلا الولي الحميد، الذي يحيى ويميت، وهو حي لا يموت، الذي يطعم ولا يطعم، ويعين ولا يعان، ويجير ولا يجار عليه.
فائدة ثالثة: قولهم: إنا نخاف أن يموت هذا الشيخ، فيكون إليه شيء … ، إلى آخره. يقصدون بذلك أنهم يخافون أن يموت أبو طالب فيفضي بهم بغضهم للإسلام إلى أن يقتلوا النبي ﷺ أو يحبسوه، أو ينفوه، فتعيرهم قبائل العرب بأنهم تركوا شيخهم ورئيسهم أبا طالب إلى أن مات واعتدوا على ابن أخيه، ولم يحفظوا حرمته. وقد فعلوا ما كانوا يتخوفون منه حين عزموا على قتل النبي ﷺ، قبيل الهجرة» (٢)، وبذلوا كل جهد في ذلك، فأنقذه الله منهم.
(١) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٢/ ٧١ - ٧٦) بتصرف. (٢) يشير إلى حادثة مبيت علي بن أبي طالب في فراش رسول الله ﷺ، إذ عزم الكفار على =