للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مثال ذلك: شفاعة النبي في خروج الموحدين من النار (١)، أخبر بها الرسول ، واستحسنها، وهي في نفسها حسنة، واستقبحتها عقول المعتزلة فهم مخطئون في ذلك، وملومون عليه، ومثل ذلك إيجابهم على الله أن يعذب.


مطلق، بل إنه يدرك ويعجز، ويصيب ويخطئ … وقد بين ابن القيم هذه النقطة؛ فقال في «مفتاح دار السعادة» (٢/ ١١٧): « … بل غاية العقل أن يدرك بالإجمال حسن ما أتى الشرع بتفضيله أو قبحه؛ فيدركه العقل جملة، ويأتي الشرع بتفصيله، وهذا كما أن العقل يدرك حسن العدل، وأما كون هذا الفعل المعين عدلا أو ظلما؛ فهذا ما يعجز العقل عن إدراكه في كل فعل وعقد، وكذلك يعجز عن إدراك حسن كل فعل وقبحه. فتأتي الشرائع بتفصيل ذلك وتبيينه، وما أدركه العقل الصريح من ذلك تأتي الشرائع بتقريره، وما كان حسنا في وقت قبيحا في وقت، ولم يهتد العقل لوقت حسنه من وقت قبحه أتت الشرائع بالأمر به في وقت حسنه، وبالنهي عنه في وقت قبحه، وكذلك الفعل يكون مشتملا على مصلحة ومفسدة، ولا تعلم العقول مفسدته أرجح أم مصلحته؟ فيتوقف العقل في ذلك، فتأتي الشرائع ببيان ذلك، وتأمر براجح المصلحة، وتنهى عن راجح المفسدة، وكذلك الفعل يكون مصلحة لشخص مفسدة لغيره، والعقل لا يدرك ذلك؛ فتأتي الشرائع ببيانه؛ فتأمر به من هو مصلحة له، وتنهى عنه من هو مفسدة في حقه، وكذلك الفعل يكون مفسدة في الظاهر، وفي ضمنه مصلحة عظيمة، لا يهتدي إليها العقل؛ فلا تعلم إلا بالشرع؛ كالجهاد والقتل في الله، ويكون في المظاهر مصلحة، وفي ضمنه مفسدة عظيمة لا يهتدي إليها العقل، فتجيء الشرائع ببيان ما في ضمنه من المصلحة والمفسدة الراجحة، هذا مع أن ما يعجز العقل عن إدراكه من حسن الأفعال وقبحها ليس بدون ما تدركه من ذلك؛ فالحاجة إلى الرسل ضرورية، بل هي فوق كل حاجة؛ فليس العالم إلى شيء أحوج منهم إلى المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين … ».
وقد تعرض الشاطبي مرارا لبيان هذا القصور في إدراك العقل للمصالح والمفاسد، ترى ذلك في «الاعتصام» في مواطن منها: (١/ ٢٤٥، ٢٨٧، ٣٠٧، و ٢/ ٢٩٥، ٣٥٧، ٣٧٩، ٤٦٢، و ٣/ ٣٢٤، ٣٤٢)، وفي «الموافقات» (١/ ٥٣٧ و ٢/ ٧٧ و ٣/ ٢١٠) كلاهما بتحقيقي، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وانظر: بسط المسألة في: «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٢ - ١١٨)، و «مدارج السالكين» (١/ ٩١، ٢٣٠ - ٢٥٧، و ٣/ ٤٠٧، ٤٨٨، ٤٩٢)، و «شفاء العليل» (٤٣٥)، و «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٨/ ٩٠ - ٩١ و ٣/ ٤٢٨ - ٤٣٢ و ٣/ ١١٤ - ١١٥ و ١١/ ٦٧٥ - ٦٨٧ و ٨/ ١٥ و ١٦/ ٢٣٥ - ٣٦٣)، و «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٤٩٢ - ٤٩٣)، و «شرح الكوكب المنير» (١/ ٣٠٠ - ٣٢٢)، و «لوامع الأنوار» (١/ ٢٨٤ - ٢٩١)، و «روح المعاني» (١٤/ ٩٤ و ١٥/ ٣٧ - ٤٢)، وتيسير «التحرير» (١/ ٢٨٣ - ٣٨٧)، و إيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة للصنعاني (ص ٢٠٣ - ٢٤٨)، و «حقيقة البدعة وأحكامها» (٢/ ١٢٧ - ١٣٣).
(١) الأحاديث الواردة في ذلك متواترة، انظر (١/ ٣٣٣) وتعليقنا عليه.

<<  <  ج: ص:  >  >>